كيف يمكن للابتكار والتقنية استثمار تراثنا وتحويله إلى محرك رئيسي للتنمية الاقتصادية؟

الدكتورة عائشة الدرمكية توضح كيف يدعم صون التراث الثقافي والتاريخ الشفوي الهوية الوطنية، ويربط الصناعات الإبداعية بالتقنية والاقتصاد في عمان وفتح فرص العمل.

عن الكاتب

كيف يمكن للابتكار والتقنية استثمار تراثنا وتحويله إلى محرك رئيسي للتنمية الاقتصادية؟
كيف يمكن للابتكار والتقنية استثمار تراثنا
أثير- جميلة العبرية
قالت المكرمة الدكتورة عائشة الدرمكية بأن أهمية التراث الثقافي تنطلق من مكانته الوطنية باعتباره هوية وطنية ذات خصوصية وتفرد، وأن هذه الخصوصية تنعكس على الإطار العام الذي يشكل السمات العامة للمجتمع، ولذلك فهو يمثل أولوية وطنية للدول من حيث هو الهوية المحلية التي تميزها بين دول العالم.
وأضافت عضوة مجلس الدولة والأستاذة المساعدة في قسم اللغة العربية وآدابها بالجامعة العربية المفتوحة، في لقاء مع ”أثير“ على هامش مشاركتها في المؤتمر الدولي للتاريخ الشفوي: بسبب الخصوصية وتمثيله كأولوية فقد حرصت المجتمعات على صونه وحمايته من خلال التأريخ والتدوين، إضافة إلى إحيائه والاستثمار فيه بهدف المحافظة عليه واستدامته، وقد عمدت الدول إلى استثمار التراث الثقافي باعتباره إبداعًا خلّاقًا، وذلك وفق متطلبات سوق العمل وآفاق التطورات التقنية والاقتصادية والإبداعية، وانطلاقًا من مكانة التراث الثقافي في المجتمعات وقدرته على التأثير، برز دوره في فتح فرص عمل وفي توفير وظائف إبداعية، وتتمثل إمكاناته في صناعة الابتكار، خصوصًا في ظل التطور الهائل الذي يشهده قطاع التقنيات وانعكاس ذلك على الصناعات الإبداعية.“
استثمار التراث الثقافي في الابتكار والإبداع
وترى الدكتورة عائشة أن الصناعات الثقافية والإبداعية عمومًا، والصناعات المرتبطة بالتراث الثقافي خصوصًا، أصبحت قوة أساسية في التنمية الاقتصادية وتطوير الأنماط الثقافية، خاصة في مجالات التراث الثقافي، فهذه الصناعات تُعد محفزًا مهمًا للإبداع والابتكار، وتعزز النمو الشامل في القطاعات المختلفة وتدعم استدامتها، خصوصًا في ظل التطور المتزايد والمتسارع للتقنيات الحديثة، وتعتمد هذه الصناعات على دمج التقنية الرقمية والصناعات الرقمية، حتى أصبحت قطبًا أساسيًا في تعزيز هذه الصناعات وتطويرها، والاستفادة من تقنيات البيانات والمعلومات في صناعة المحتوى الثقافي، وكذلك تأثير تقنيات الاتصالات، الخدمات اللوجستية، وتطبيقات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي على الصناعة الثقافية والإبداعية بصورة عامة.
دور التأريخ الشفوي في الحفاظ على الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية
وتوضح الدكتورة عائشة: ”التراث الثقافي باعتباره أصولًا، يرسخ علاقة الناس بجذورهم، ويبني احترام الذات، ويعيد الكرامة والهوية للمدن النابضة بالحياة؛ لذا فإن الحفاظ على هذا التفرّد يمثل منطلقًا نحو إيجاد اقتصادات ثقافية قائمة على هذه الفرادة والتميّز، مع الاحتفاظ بالأصول التاريخية والحضارية؛ لأن الاستثمار في التراث الثقافي يعني بالضرورة استثمارًا في المعارف الإنسانية وتطويرًا للأنماط الحضارية، خاصة في عصر يشهد تطورات متسارعة ومنفتحة تسعى إلى إيجاد نسخة موحدة من الثقافة تحت شعار (العولمة)، ولهذا السبب، فإن الحفاظ على التفرّد يدفع دائمًا إلى المحافظة على الهوية المتفرّدة المتمثلة في الهوية الوطنية، المرتبطة بالإنسان والأرض والتاريخ الحضاري، وهذا يتطلب صونه وحمايته وإحياءه وترسيخ دوره في حياة المجتمع، خاصة بين فئة الناشئة والشباب باعتباره أصلاً معرفيًا وحضاريًا.“
دعم الصناعات الإبداعية من خلال التراث الثقافي
وتؤكد الدرمكية بأن الصناعات الثقافية تقوم بإنتاج أنشطة إبداعية عن طريق تحويل مواد التراث الثقافي إلى مخرجات تتمثل في منتجات يدوية تعبّر عن الهوية الثقافية، حيث تنطلق هذه الصناعات من قدرتها على الحفاظ على الهوية وتطويرها وتجديدها بما يتوافق مع التطورات التقنية والمجتمعية السريعة، ولهذا فإن الصناعات الإبداعية هي نتاج لذلك التطوير والتجديد والابتكار، وأن الصناعات الإبداعية تربط بين الثقافة والاقتصاد من خلال عمليات الإنتاج والتصنيع والتجارة؛ لهذا يرتبط مفهوم الصناعات الإبداعية بالاقتصاد الإبداعي، الذي يعبر عن إعادة تثمين الإبداع المتمثل في مواد الثقافة، خاصة التراث الثقافي .
التجارب العمانية الناجحة في استثمار التراث الثقافي
وتوضح الدكتورة عائشة بأن هناك العديد من التجارب الناجحة العمانية في استثمار التراث الثقافي، خاصة الشفوي منه، ومن ضمن هذه الاستثمارات تأتي مجموعة من المشروعات التي تُعنى بالصناعات التقليدية ضمن برامج (ريادة)، وإطلاق العديد من مشروعات الصناعات الإبداعية بالتعاون مع البرنامج الوطني للاستثمار وتنمية الصادرات (نزدهر). كما أن توظيف التراث الثقافي في الفنون البصرية الحديثة، مثل الفنون التشكيلية، التصوير، الأزياء، السينما والدراما، هو مثال آخر على هذه النجاحات.
دور التقنية في توثيق التراث الثقافي
وتضيف: ”في ظل التقدم السريع للتقنيات، تطورت أنماط التوثيق والتدوين وظهر ما يسمى بالصون الرقمي للتراث الثقافي، ويرتبط هذا بإجراءات الحفاظ على الاستفادة من المواد الرقمية وإمكانات التحول الرقمي للتراث الثقافي، بما في ذلك الجمع الرقمي دون الإضرار بالأصول، وهذا التطور يفتح آفاقًا للإبداع والابتكار مع الحفاظ على الأصل الثقافي، فالصون الرقمي لا يقتصر على تحويل التراث الشفوي إلى كتابي فقط، بل يمتد إلى أشكال أخرى مثل التدوين المرئي أو السمعي أو المرئي-السمعي، مما يعزز الحفاظ على التراث بأشكال متطورة.“
دور الحكومة والقطاع الخاص في دعم استثمار التراث
وتبين الدكتورة عائشة بأن دور الحكومة ينطلق من فكرة الصون ذاتها ليشمل الصون تحديد أنماط التراث ومجالاته، تدوينه، حمايته، نقله، ونشره. إلى جانب إجراء البحوث التي تدعم تطويره، وإحيائه، ولا يشير الإحياء فقط إلى الممارسة، بل يشمل أيضًا القدرة على تمثيله بما يعزز إمكاناته الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، فاستثمار التراث الثقافي هو أحد أهم مرتكزات استدامته، لكن لتحقيق تأثير حقيقي في صون التراث الثقافي، نحتاج إلى تعزيز البحوث والإبداع والابتكار، خصوصًا في مجال التدوين والتوثيق، لأن هذه هي القاعدة الأساسية التي ينطلق منها فعل الصون، لذلك فإن دور المؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص مهم وداعم لتحقيق هذا الهدف.
الرؤية المستقبلية لاستثمار التراث الثقافي
وتختتم الدكتورة عائشة اللقاء بقولها: ”استثمار التراث الثقافي يتطلب تكامل الجهود بين القطاعات الثقافية والاقتصادية لتحديد الفرص الاستثمارية الكبيرة المتاحة في هذا المجال، والتراث الثقافي لديه القدرة على فتح آفاق جديدة في الاقتصاد، ولا يمكن استثماره بشكل فعال إلا من خلال الابتكار والإبداع وتشغيل الصناعات الثقافية؛ ولن يتحقق ذلك إلا إذا آمن الاقتصاديون والمستثمرون بقيمة التراث الثقافي المضافة، وبإمكاناته الاقتصادية الهائلة.

شارك هذا الخبر