رصد - أثير
يحتاج ترامب إلى تحدي التاريخ لإنهاء حرب إيران فرؤساء الولايات المتحدة نادراً ما يتمكنون من إنهاء الحروب المستعصية التي يبدؤونها. عندما وافق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مذكرة التفاهم (MOU) مع إيران في منتصف يونيو، وعد بإبرام اتفاق نهائي سيجلب ”السلام والأمن للمنطقة بأكملها“. لكن منذ ذلك الحين، توقفت المفاوضات، واستؤنف القتال، وأُعيد فرض العقوبات الأمريكية، وأعادت السفن الحربية الأمريكية فرض الحصار على إيران. باختصار، عدنا إلى نفس الحرب المستعصية التي ظننا أننا انتهينا منها قبل شهر.
هل يستطيع ترامب تحقيق السلام الذي وعد به؟
تجيب صحيفة الفورين بوليسي على ذلك في مقال تناول هذا الموضوع ورصدته ”أثير“، جاء فيه: أنه إذا كان التاريخ دليلاً في هذه المسألة، فالإجابة على الأرجح لا، لأن رؤساء الولايات المتحدة نادراً جداً ما يتمكنون من إنهاء الحروب المستعصية التي يبدؤونها. يمكن لترامب تجاوز هذه السوابق إذا استغل جانبه العملي أكثر، أو إذا مارس الكونغرس ضغطاً عليه. لكن كلاهما بعيد الاحتمال، مما يعني أن السلام النهائي من المرجح أن يأتي من خليفة ترامب، الذي سيكون في وضع أفضل للاعتراف بأن هذه الحرب كانت فشلاً وتقديم التنازلات اللازمة لإبرام صفقة، وهو ما يجب على ترامب فعله لكنه من المحتمل ألا يفعله.
يظهر لنا التاريخ أنه عندما يأخذ الرؤساء البلاد إلى الحرب، يشعرون بأن لديهم مصلحة فريدة في الصراع، سواء سياسياً أو نفسياً أو ما يتصل بسمعتهم. فالأمور مثل التفكير بالتكاليف الضخمة حيث يقولوا لأنفسهم لقد استثمرنا الكثير، يجب أن نحقق بعض المكاسب، بالإضافة إلى مخاوف المصداقية فالتراجع باعتقادهم سيضر بصورتهم في الخارج، الأمر الذي يطرد التفكير السليم القائم على المقارنة بين التكلفة والفوائد، فيجدون أنفسهم مدفوعين إلى محاولة إنقاذ أي شيء يشبه النصر قبل صنع السلام.
وبخاصة في مواجهة خصم مصمم مثل إيران، يعني هذا عادةً أن الجمود يستمر حتى ينفد الوقت من ولاية الرئيس.
تكرّر هذا النمط في كل حرب أمريكية مستعصية منذ الحرب العالمية الثانية:
• بعد أن استعصت الحرب الكورية على الحل في صيف عام 1951، دفعت مخاوف الرئيس هاري ترومان بشأن إظهار الصرامة ضد الشيوعية في الداخل، ومصداقية أمريكا، والتكاليف الضخمة، إلى تبني شروط صارمة في مفاوضات الهدنة. وغادر منصبه دون معاهدة سلام.
• بعد هجوم تيت في فيتنام عام 1968، اتخذ الرئيس ليندون جونسون موقفاً صارماً في محادثات السلام بسبب مخاوفه الداخلية والتكاليف الضخمة وما أعتقد أنه مصداقية أمريكا.
• بعد فشل التصعيد الذي وعد به الرئيس باراك أوباما لإنهاء الحرب في أفغانستان، أوقف سحب القوات بالكامل في 2015، خوفاً من أن يُعتبر الرئيس الذي ”خسر“ أفغانستان.
عقبة السمعة والاعتبارات الشخصية لدى ترامب
يواجه ترامب تحديات مماثلة لإنهاء الحرب الإيرانية، التي دخلت مرحلة الشلل والجمود عندما أغلقت إيران مضيق هرمز في أواخر مارس. وكما هو الحال مع المآزق الأمريكية السابقة، فإن تكاليف هذه الحرب أعلى بكثير من فوائدها للأمن الأمريكي، والتي تظل ضئيلة بالنظر إلى تراجع المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وصعود تحديات أكثر أهمية في أماكن أخرى، وخاصة في آسيا.
ومثل أسلافه، يمارس ترامب ضغوطاً مكثفة على نفسه للحصول على ”النوع الصحيح“ من الصفقات:
• قبل كل شيء، يريد اتفاقاً نووياً أفضل مما حققه أوباما مع إيران، بعد أن ندد مراراً وتكراراً بتلك ”الصفقة الجسيمة والأحادية الجانب التي ما كان ينبغي إبرامها أبداً“. ويشعر ترامب الآن بضغوط التكلفة الغارقة لإثبات أنه كان على حق عندما ألغى الاتفاق النووي في عام 2018 وبدأ سياسة الضغط الأقصى.
• بشكل أوسع، يريد ترامب تغيير الشرق الأوسط بطرق حاول رؤساء سابقون تحقيقها وفشلوا. حيث قال مؤخراً: ”لم يكن أي رئيس على مدى 47 عاماً مستعداً لفعل ما أفعله أنا بشأن إيران.
منذ وصول الحرب إلى طريق مسدود، كان لهذه المخاوف المتعلقة بالسمعة تأثير كبير على المفاوضات. فقد استمرت محادثات مذكرة التفاهم لأسابيع، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن ترامب الذي فقد قدراً كبيراً من أوراق الضغط مع إغلاق مضيق هرمز، لم يستطع قبول صفقة تجعله يبدو ضعيفاً.
وقال ترامب مراراً لمساعديه إنه بحاجة إلى شيء يبدو كـ ”نصر“، مثل توسيع ”اتفاقيات إبراهام“ أو تعهد إيراني بالتخلي عن اليورانيوم عالي التخصيب. وقبل أسبوعين من توقيع مذكرة التفاهم، رفض مسودة أعدها المفاوضون ووافقت عليها إيران، قائلاً إنها تشبه صناديق الأموال المعبأة في اتفاق أوباما.
تكتسب مخاوف ترامب بشأن سمعته وزناً أكبر في هذه المرحلة:
1. القضايا الخلافية التكتيكية: بخلاف مذكرة التفاهم، التي كانت مجرد وقف لإطلاق النار وتحديد للأجندة العامة، يحاول الطرفان الآن صياغة شروط حول قضايا ملموسة تمس سمعة ترامب بشكل مباشر. ومع وضع إرثه السياسي على المحك، يُبدي ترامب مرونة أقل في هذه المحادثات، مما يدفعه إلى نفس المطالب القتالية القصوى كما كان قبل الحرب.
2. تخفيف الضغوط الاقتصادية: إن انخفاض أسعار الوقود بعد دخول مذكرة التفاهم حيز التنفيذ قلل من الضغط المحلي على ترامب للتوصل إلى اتفاق نهائي، مما فسح المجال مجدداً لعوامل ”السمعة“ لتهيمن على قراراته.
في الواقع، أدى ذلك لنسف المفاوضات أكثر من مرة، فبمجرد نشر بنود مذكرة التفاهم، تعرض ترامب لهجوم شديد من النقاد الذين وصفوها بالضعيفة. ولتبديد هذا الانطباع، دمر ترامب الجولة الأولى من المحادثات رفيعة المستوى ببيان حاد هدد فيه بـ " سحق إيران”. انسحب الإيرانيون على إثرها، ولم تصل المحادثات إلى أي مكان، ويبدو أن عودة ترامب الأخيرة إلى الحرب ما هي إلا حالة كلاسيكية أخرى لرئيس أطلق حرباً ويحاول يائساً حفظ ماء وجهه وسط فشل مُحرج.
كيف تنتهي الحروب المستعصية عادة؟
إن الحروب المأزومة لا تدوم إلى الأبد بالطبع، لكن خَلَف الرئيس (من يأتي بعده) هو من سيحقق الحسم والتسوية في العادة وذلك بحسب الصحيفة التي تجيب على هذا التساؤل بما يلي:
لأن الرؤساء اللاحقين وتحديداً في هذه الحالة خليفة ترامب، عادة ما يكونون أحراراً من القيود والالتزامات التي تكبل أسلافهم. فهم لم يبدؤوا الحرب، لذا يشعرون بالتزام أقل لاستمرارها، ويجدون مساحة أكبر للاعتراف بالفشل، ويمكنهم تعديل شروط التفاوض بسهولة أكبر للتوصل إلى صفقة.
نظرًا لأن ترامب يُعتبر من أكثر الرؤساء غير التقليديين في تاريخ الولايات المتحدة، فقد يكسر هذه القاعدة. ففي العام الماضي، على سبيل المثال، تناسى المخاوف بشأن المصداقية والظهور بمظهر الضعيف عندما أنهى الحرب الجوية العقيمة مع الحوثيين، كما أنه رفض إقحام قوات برية أمريكية في الصراع الإيراني.
ومع ذلك، يظل سيناريو إعادة التاريخ لنفسه هو الأرجح، إذ يبدو ترامب مستثمراً بشدة وعلى نحو شخصي في تحقيق ”نصر“ ضد إيران مقارنة بالحوثيين. علاوة على ذلك، فإن آلية صنع القرار الضعيفة في الأمن القومي لديه تعني وجود كوابح قليلة جداً لقراراته.
المخرج الممكن والسيناريو المتوقع
طرحت الصحيفة ما اعتبرته الأمل الأفضل للتهدئة والسلام على المدى القريب، والمتمثل في الضغط الخارجي من الكونغرس، والذي ينبغي أن يبدأ بالتشكيك في ادعاء ترامب الجديد بمنحه 60 يوماً أخرى من سلطة شن الحرب دون قيود بموجب قرار سلطات الحرب.
لن يوقف الكونغرس الحرب كلياً على الأرجح، لكنه قد يمارس مزيداً من الرقابة من خلال جلسات الاستماع، وتقييد التمويل، ووضع شروط على التمويل المستقبلي، مما يساعد على كسر حُمى الحرب داخل الإدارة، ودفع ترامب للعودة لمحادثات السلام، والحدّ من التصعيد العسكري.
الخلاصة: إن الاحتمال الأكبر هو أن يغادر ترامب منصبه دون اتفاق سلام، وسيتعين على خَلَفِهِ إصلاح هذا الفوضى في إيران.
ومهما كان من سيخلفه، يُؤمل أن تؤدي عدم شعبية الحرب والضغط البرلماني إلى توليد القدر الكافي من البراغماتية لفعل أمرين يرفض ترامب القيام بهما:
1. الاعتراف بالفشل.
2. تخفيف الشروط للتوصل إلى صفقة تنهي الصراع بشكل دائم.
ومع إيران، ستعني هذه البراغماتية على الأرجح قبول خطوطها الحمراء المتعلقة بتخصيب اليورانيوم وضمان شكل من أشكال السلطة الإيرانية على مضيق هرمز. ورغم أن هذه التنازلات لن تكون مؤلمة كما يصورها البعض نظراً لمصالح الولايات المتحدة المحدودة في الشرق الأوسط إلا أنها ستظل بحسب الصحيفة حبوباً مريرة يصعب بلعها. ولكن هذه هي العاقبة المؤسفة لخسارة حرب ما كان ينبغي لها أن تبدأ من الأساس.
- المصدر: فورين بوليسي
- الصورة مولدّة بأدوات الذكاء الاصطناعي





