رصد - أثير
لسنوات طويلة، ظل اسم زين الدين زيدان حاضرًا كلما فُتح الحديث عن مستقبل المنتخب الفرنسي، لم يكن السؤال في فرنسا إن كان زيدان سيصل إلى مقعد المدرب، وإنما متى سيأتي ذلك اليوم.
اليوم، جاءت الإجابة، مع إعلان الاتحاد الفرنسي لكرة القدم تعيين زيدان مديرًا فنيًا للمنتخب الفرنسي لمدة أربعة أعوام، حتى كأس العالم 2030، خلفًا لديدييه ديشان الذي غادر منصبه بعد 14 عامًا، قاد خلالها ”الديوك“ إلى كأس العالم 2018، ووصافة مونديال 2022، إلى جانب لقب دوري الأمم الأوروبية في 2021.

وصول زيدان يطوي صفحة ديشان، لكنه في الوقت نفسه يفتح صفحة مختلفة تمامًا؛ فالمهمة التي تنتظره لا تتعلق بتغيير اسم المدرب على مقاعد البدلاء فقط، وإنما بإدارة مرحلة جديدة لمنتخب اعتاد، خلال السنوات الأخيرة، أن يكون حاضرًا في المشهد حتى نهاية البطولات الكبرى.

ديشان ترك وراءه منتخبًا يعرف كيف ينافس، ومن الصعب إخراجه مبكرًا من أي بطولة، ويملك من المواهب ما يكفي للحفاظ على حضوره بين كبار العالم. فقد وصل منتخب فرنسا خلال عهده إلى نهائي كأس أوروبا 2016، ثم فاز بمونديال 2018، وعاد إلى نهائي كأس العالم بعد 4 سنوات في مونديال 2022 بدولة قطر الشقيقة.
أما الآن، فيأتي زيدان كمدرب؛ الرجل الذي ارتدى قميص فرنسا كلاعب، وتوّج بكأس العالم 1998 وكأس الأمم الأوروبية 2000، وبالكرة الذهبية في العام ذاته، وحقق إنجازًا تاريخيًا مع نادي ريال مدريد الإسباني، بقيادته للفوز بلقب دوري أبطال أوروبا ثلاثة مواسم متتالية (2016 - 2018)، إلى جانب إحراز 11 لقبًا خلال فترتي تدريبه للفريق.




لهذا السبب تحديدًا، فإن تعيينه يحمل قدرًا كبيرًا من التوقعات. زيدان لم يصل إلى منتخب يبحث عن مدرب ينقذه من أزمة، بل جاء ليخلف مدربًا ترك الفريق في موقع قوي جدًا، وهذه، في حد ذاتها، ليست مهمة سهلة.
ماذا سيفعل زيدان بمنتخب جاهز؟

لا يحتاج زيدان إلى بناء منتخب فرنسي جديد من الصفر، أمامه مجموعة كبيرة من اللاعبين المميزين، وعمق واضح في معظم المراكز، وجيل يمكن أن يستمر في المنافسة لسنوات، مثل كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي ومايكل أوليس ودزيري دوي، وغيرهم من اللاعبين الذين يمثلون حاضر المنتخب ومستقبله
لكن وجود هذه الأسماء لا يعني أن المهمة ستكون سهلة، فالتحدي الحقيقي سيكون في كيفية استخدام هذه المواهب:
- كيف سيجعل زيدان المنتخب أكثر انسجامًا؟
- هل سيحافظ على الطريقة التي اعتمد عليها ديشان، أم سيمنح الفريق مساحة أكبر في الجانب الهجومي؟
- هل سنرى منتخبًا أكثر جرأة في طريقة لعبه، أم أن زيدان سيبدأ من الأساس الذي تركه سلفه ويجري عليه تعديلات تدريجية؟
هذه الأسئلة ستظهر مبكرًا، وربما تكون المباريات الأولى كافية لإعطاء مؤشرات عن شكل المنتخب في المرحلة المقبلة. فالمدرب الجديد لا يملك رفاهية الوقت الطويل، والجمهور الفرنسي يريد النتائج، واللاعبون الذين أمامه معتادون أصلًا على المنافسة على البطولات. وبالتالي، فإن أي تغيير يجب أن يحدث من دون أن يهتز مستوى الفريق.
وهنا سيكون التحدي الأكبر أمام زيدان: أن يضيف شيئًا جديدًا إلى منتخب ناجح أصلًا، من دون أن يخسر ما جعله ناجحًا.
لماذا كان زيدان هو الخيار؟

كان اسم زيدان مطروحًا منذ سنوات باعتباره المرشح الأبرز لخلافة ديشان، لكنه ظل بعيدًا عن التدريب منذ مغادرته ريال مدريد في 2021، منتظرًا مشروعًا يرى أنه يستحق العودة من أجله، وكان واضحًا أن منتخب فرنسا هو الوجهة التي تحظى باهتمام خاص بالنسبة إليه.
في الجهة الأخرى، كان الاتحاد الفرنسي يبحث عن مدرب يعرف طبيعة المنتخب والكرة الفرنسية، ويستطيع التعامل مع غرفة ملابس تضم عددًا كبيرًا من النجوم، ويحظى في الوقت نفسه بقبول الجماهير.
رئيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، فيليب ديالو، كان قد تحدث في وقت سابق عن مواصفات المدرب الجديد، مشيرًا إلى أهمية أن يكون قادرًا على الحصول على قبول الفرنسيين، باعتبار أن المنتخب يمثل ”منتخب الفرنسيين“، كما أوضح أن قائمة المرشحين كانت محدودة وجميعهم فرنسيون.
من هذه الناحية، كان زيدان يملك أفضلية واضحة. اسمه وحده يحمل تاريخًا طويلًا مع المنتخب، سواء كلاعب أو كمدرب، وتجربته مع ريال مدريد أثبتت أنه قادر على التعامل مع نجوم كبار وتحقيق البطولات.
هل يفهم زيدان جيل فرنسا الجديد؟

يحمل تعيين زيدان رمزية خاصة للكرة الفرنسية، فبعد لوران بلان وديدييه ديشان، يصبح زيدان ثالث لاعب من منتخب فرنسا المتوج بكأس العالم 1998 يتولى تدريب ”الديوك“، لكن زيدان يدخل هذه المرة بخبرة مختلفة؛ فهو لا يعود إلى المنتخب بصفته أحد أبطال الماضي فقط، وإنما يأتي مدربًا حقق نجاحًا كبيرًا على مستوى الأندية.
أمام زيدان أربعة أعوام للوصول إلى كأس العالم 2030، فيما ستكون بطولة أوروبا 2028 محطة مهمة لمعرفة ما إذا كان المنتخب يسير في الاتجاه الذي يريده، وستكون البداية العملية أمام تركيا في دوري الأمم الأوروبية في سبتمبر المقبل، حيث يبدأ الجمهور في تكوين أول انطباع عن شكل المنتخب الجديد.
الجيل الذي سيعمل معه زيدان مختلف عن ذلك الذي عرفه عندما كان لاعبًا، ففرنسا لا تزال تملك وفرة من المواهب، لكن إدارة هذه المجموعة ستكون واحدة من أهم مسؤولياته، إذ إن هناك نجومًا كبارًا يحتاجون إلى أدوار واضحة، ولاعبين صاعدين يريدون مكانًا في التشكيلة، وأجيالًا تتغير باستمرار، وفوق ذلك كله، هناك غرفة ملابس تحتاج إلى مدرب يعرف كيف يحافظ على توازنها، وهنا ستظهر قيمة زيدان الحقيقية.
أسطورة من أصول عربية بدأت من مرسيليا

وُلد زين الدين زيدان في مرسيليا لعائلة من أصول جزائرية، وبدأ مشواره في فرق الناشئين قبل أن ينتقل إلى كان، حيث خاض مباراته الأولى في دوري الدرجة الأولى الفرنسي وهو في الـ 17 من عمره، وبعد هبوط فريقه، انتقل عام 1992 إلى جيروندان بوردو، وهناك بدأ اسمه يلفت الأنظار على المستوى الدولي.
في عام 1996، انتقل إلى يوفنتوس الإيطالي بعد تألقه مع بوردو والمنتخب الفرنسي، لتبدأ واحدة من أهم مراحل مسيرته، ووفي عام 1998، قاد فرنسا إلى الفوز بكأس العالم، وحصل في العام نفسه على الكرة الذهبية، قبل أن يضيف لقب كأس الأمم الأوروبية عام 2000.

تلك النجاحات فتحت له باب ريال مدريد، حيث انضم إلى النادي الإسباني في يوليو 2001، وبعد عام واحد فقط، حقق حلمه بالفوز بدوري أبطال أوروبا، وسجل في النهائي أمام باير ليفركوزن واحدًا من أشهر أهداف البطولة، بتسديدة يسارية لا تزال حاضرة في ذاكرة جماهير كرة القدم.

اعتزل زيدان اللعب بعد مشاركته في نهائي كأس العالم 2006 أمام إيطاليا، في المباراة التي شهدت واحدة من أكثر اللحظات شهرة في تاريخ المونديال، عندما نطح المدافع الإيطالي ماركو ماتيراتزي.

وكان ريال مدريد آخر نادٍ ارتدى قميصه لكن علاقته بريال مدريد لم تنتهِ، فقد عاد إلى النادي في أدوار مختلفة، قبل أن يتولى تدريب الفريق الأول ويصنع واحدة من أكثر التجارب نجاحًا في تاريخ دوري أبطال أوروبا، وفي عام 2017، توج بجائزة ”فيفا“ لأفضل مدرب في العالم، قبل أن يعود إلى تدريب ريال مدريد مجددًا بين عامي 2019 و2021.

واليوم، يعود زيدان إلى المكان الذي بدأت فيه أسطورته الحقيقية؛ منتخب فرنسا، لكن هذه المرة، لن يكون مطالبًا بصناعة لحظة تاريخية كلاعب، وإنما بقيادة جيل جديد نحو كتابة فصل آخر من تاريخ ”الديوك“.





