اقتصادنا الرقمي: متى سيتجاوز الإنجاز الورقي؟

تحليل لواقع الاقتصاد الرقمي في سلطنة عمان بعد 4 سنوات من البرنامج الوطني: مساهمة 769 مليون ريال، استثمار 210 ملايين دولار في مركز بيانات صحار، والفجوة بين المؤشرات الدولية والأثر الميداني

اقتصادنا الرقمي: متى سيتجاوز الإنجاز الورقي؟
اقتصادنا الرقمي: متى سيتجاوز الإنجاز الورقي؟
أثير - محمد الدغيشي
في الوقت الذي يخوض فيه العالم سباقا محموما لإعادة تعريف الثروة عبر “البيانات والتقنية” بدلا من الموارد التقليدية، تجد الاقتصادات الدول المعتمدة على النفط نفسها أمام اختبار مفصلي: كيف يمكن للتحول الرقمي أن يتحول من مجرد “شعار استراتيجي” أو خطة ورقية إلى محرك حقيقي للنمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل؟
إن سلطنة عُمان ليست معزولة عن هذا السباق إقليميا وعالميا. فمع اقتراب “البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي” من إسدال الستار على مرحلته الأولى، فإن التقارير الدولية تعكس صعودا لافتا في لائحة المؤشرات فهي: المرتبة الأولى عالميا في المساواة بين الجنسين في القطاع الرقمي، والثالثة في الشمول، والعلامة الكاملة في حوكمة الابتكار التقني وفق تقرير “مستكشف الاقتصاد الرقمي”. لكن هذا التفوق على الورق يضع الشارع الاقتصادي العُماني من رياديين، وباحثين عن عمل، ومستثمرين أمام سؤال حيوي وحاسم وهو: إلى أي مدى انعكست هذه الأرقام على الدخل اليومي، وقدرة السوق المحتدم على خلق وظائف نوعية؟

طموح الـ 10% واصطدام الواقع الزمني

تطمح سلطنة عُمان، وفق ما أعلنه سعادة الدكتور علي بن عامر الشيذاني، وكيل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، إلى بناء اقتصاد رقمي يساهم بنسبة 10% في الناتج المحلي الإجمالي بحلول رؤية عُمان 2040. غير أن المؤشرات الحالية تكشف حجم التحدي؛ إذ تقارب المساهمة الحالية للأنشطة الرقمية غير النفطية حول 2.83% فقط بقيمة مضافة وصلت 769 مليون ريال عُماني.
وهذا الفراغ بين المستهدف البعيد والواقع الحالي يشير إلى أن وتيرة التنفيذ تستدعي مراجعة؛ فالنمو النموذجي لا يقاس فقط بالتطور التشريعي الذي حصدت فيه السلطنة نقاطا متقدمة، بل بكفاءة التمكين الميداني. فالبيانات المتوفرة تكشف عن “نمو غير متجانس”؛ فعلى الرغم من القفزة النوعية في الأمن السيبراني وجاهزية الذكاء الاصطناعي، يظل محرك “جاهزية الشبكات البنيوية” في المرتبة 50 عالميا، مما يشكل عائقا أمام تدفق الاستثمارات التقنية المتقدمة بنفس السرعة االمتأملة.

الإنفاق الحكومي والاستثمار الميداني: أين الأثر؟

في محاولة لكسر أزمة المبادرة التقنية، ضخت الحكومة العُمانية استثمارات حكومية متزايدة؛ فقد رصد لمبادرة اقتصاديات الذكاء الاصطناعي 10 ملايين ريال عُماني في عامها الأول، وتبعتها 15 مليون ريال عُماني في العام التالي، أثمرت عن مشاريع مثل النموذج اللغوي “معين AI” والبوابة الوطنية للبيانات المفتوحة.
وعلى صعيد جذب رؤوس الأموال الأجنبية، تبرز الشراكة الاستراتيجية بين ميناء صحار والمنطقة الحرة وشركة “المدينة الخضراء للبيانات” باستثمار يزيد على 210 ملايين دولار لإنشاء مركز بيانات ضخم يضم 20 ألف خادم.
لكن بناء المراكز وتجهيز المباني لا يكفي وحده؛ فالغائب الأبرز عن تقارير هذه المشاريع هو أثرها المباشر على السوق والمواطن، والتي من خلالها نطرح التساؤلات التالية:
كم وظيفة دائمة ومستدامة ستوفرها هذه الاستثمارات للشباب العُماني؟
وما هي نسب توطين الوظائف (التعمين) في هذه المبادرات؟
إن ضخ عشرات الملايين دون ربط شفاف بين الإنفاق والعائد على التوظيف يترك الشارع في حالة ارتياب إيجابي، منتظرا ترجمة هذه الاستثمارات إلى فرص عمل فعلية للكوادر الوطنية الباحثة عن عمل.

شراكات إقليمية بدلا من المنافسة

على الصعيد الإقليمي، تحاول سلطنة عُمان رسم مسارها الخاص بعيدا عن المواجهة المباشرة مع عمالقة الإنفاق التقني في المنطقة. تجسد ذلك في الاتجاه نحو بناء تحالفات تكاملية إقليمية، كـ “مذكرة التفاهم” مع دولة فلسطين لاستضافة شركات ناشئة فلسطينية وتبادل الخبرات السيبرانية.
هذا الخيار الشراكي يمنح السلطنة مرونة جيوسياسية وتقنية، لكنه يثير مجددا تساؤلا حادا حول “المنتج التقني العُماني”. بينما تهيمن تطبيقات التجارة الإلكترونية، والخدمات المالية، والاقتصاد التشاركي العالمي (مثل أمازون، وPayPal، وأوبر) على المشهد اليومي للمستهلك العُماني، لا تزال المنصات العُمانية المحلية غائبة عن تقديم بدائل منافسة إقليميا. يطرح هذا الوضع تساؤلاً ملحا: هل تكتفي الرؤية العُمانية حاليا بتهيئة البنية التحتية والبيئة التشريعية، أم أن هناك عجزا في تحويل المبادرات والابتكارات الشابة إلى منصات قادرة على النمو المالي والمنافسة عابرة الحدود؟

بين التقرير والواقع: من المستفيد؟

إن التقييم المنصف لأربع سنوات مضت من عمر “البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي” يؤكد أن سلطنة عُمان نجحت في وضع الأساسات الصلبة والتي تتشكلفي: بيئة تشريعية مرنة، وأمن سيبراني متقدم، وشراكات استثمارية واعدة. لكن الانتقال من المرحلة الأولى إلى مرحلة أكثر طموحا لا يتطلب الاحتفاء بالمؤشرات بقدر ما يتطلب الشفافية في كشف النتائج الملموسة.
فالنجاح الحقيقي للاقتصاد الرقمي لن يقاس بعدد أوراق العمل أو المراتب في التقارير الدولية، بل بقدرته على الإجابة عن سؤال المواطن والمستثمر اليومي: هل خلق هذا التحول وظائف حقيقية، وهل رفع من كفاءة ونمو مؤسساتنا الصغيرة، وهل انعكس على جيب المواطن؟ إن إغلاق الفجوة بين “المؤشر الورقي” و“الأثر الميداني” هو الرهان الوحيد لضمان ألا يتحول التحول الرقمي إلى مجرد كلفة استثمارية، بل إلى محرك واقعي يعيد تشكيل مستقبل الاقتصاد العُماني.

المصادر:

- مع قرب نهاية المرحلة الأولى، إليك مستجدات البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي

- بأكثر من 200 مليون دولار: استثمار جديد في صحار

- 10 تطبيقات هي الأبرز في الاقتصاد الرقمي، تعرف عليها

شارك هذا الخبر