أثير- الركابي حسن يعقوب
ضِعافُ الأُسْدِ أكثرها زئيراََ.. وأصرمها اللواتي لا تَزيرُ..
هو بيت شعر في خاصرة قصيدة رائية من بحر الوافر للشاعر العباس بن مرداس من مضر ونجل الشاعرة الخنساء ، وقد أدرك الجاهلية والاسلام، يقول مطلعها الشهير : ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أَسَدٌ مُزيرُ..
قلنا مراراََ أن الخيار العسكري ليس خياراََ حاسماََ بالنسبة للقضايا السياسية والأمنية بالعموم وقضايا منطقة الشرق الأوسط بالخصوص، وذكرنا أن مفهوم القوة الحقيقية يتمحور حول القدرة على تحويل القوة المادية إلى قوة ناعمة وإلى نفوذ يمكن استخدامهما في تحقيق المصالح والأهداف السياسية والاقتصادية والأمنية دون الاستخدام الفعلي المباشر للقوة المادية، وهو ما يعرف بالردع Deterrence.
ولعل الشاعر العربي القديم العباس بن مرداس قد توصل لهذا المفهوم بسليقته وفطرته، المتأثرة بالبيئة العربية التي كانت تغلب عليها المدافعة والمواجهة والقتال فخلص إلى أن القوة المادية حتى وإن عظمت، حينما توضع تحت الإختبار والمواجهة المباشرة قد تُغلَب ولا تَغْلِب، حتى في مواجهة من تبدو عليهم إمارات الضعف والهزال والمسكنة.
إسرائيل وأمريكا نموذجان عصريان للإفراط في استخدام العنف والقوة المادية باعتبارها أداةً للحسم وتسوية المشكلات والأزمات عبر تاريخهما المليء بالعنف، فاسرائيل منذ الإعلان عن قيامها قبل ما يناهز الثمانية عقود اتخذت من العنف المفرط منهاجاََ لها في إدارة أزماتها وتقوم فلسفة هذه الإدارة على فرضية أن القوة المادية هي الضامن الأوحد لبقاء كيانها وتوطيد أركانه، فأسست الدولة باحتلال أراضي الفلسطينيين وطردهم منها ومن ثم إحلال المستوطنين الجدد مكانهم وذلك بالقوة الجبرية والعنف.
ورغم فشل هذا المنهج في جلب الأمن وتحقيق الإستقرار لإسرائيل هذه الدولة الطارئة على التاريخ، إلا أن قادتها من لدن ديفيد بن غوريون، وحتى بنيامين نتنياهو اعتمدوا هذا النهج الفظ في إدارة شؤون دولتهم وقامت سياستهم الخارجية وما تزال على استخدام القوة والعنف ولا شيء غيرهما.
فما نعموا بالأمن ولا ذاقوا حلاوة العيش في سلم ووئام مع الآخرين وظلوا على الدوام في دوامة من الحروب والعداوة وارتكاب المذابح والمجازر بحق الفلسطينيين وبحق الدول والشعوب العربية بالمنطقة.
وأمريكا هي الأخرى اشتهرت بالاعتماد على القوة المادية والتدخل في شؤون الدول في إدارة مصالحها حول العالم وشهد تاريخها وقائع عديدة لتدخلات عنيفة في دول مستقلة ذات سيادة في محيطها الإقليمي وعلى نطاق العالم، من لدن فيتنام وانتهاءاََ بإيران تحت ذرائع وأسباب مختلفة لكنها دائماً ما كانت تغلف بمبررات تزعم فيها الدفاع عن النفس وصون الأمن القومي الأمريكي، وأحياناََ تزعم فيها الحفاظ على الأمن والسلم الدوليَين.
ورغم أن كل هذه التدخلات كانت تنتهي بالفشل والخيبة والنتائج العكسية، إلا أن الثابت والمشاهد هو أن الدولة العظمى لم تعتبر ولم تستفد من دروس تجاربها، حيث استمرت في سياسة التدخل العسكري وخوض الحروب ومصادمة إرادات الشعوب والأمم حول العالم.
واليوم تمر أمريكا بذات التجارب السابقة التي خاضتها في مواطن كثيرة وخرجت منها صاغرة مكرهة دون أن تحقق أهدافها ودون أن تصون مصالحها.
نفس سيناريو الخروج الخاسر في الحالات السابقة يتكرر اليوم في الأزمة الحالية مع إيران. السيناريو ثابت يتكرر بنفس التفاصيل حذوك النعل بالنعل، ضغوط داخلية خاصة بالداخل الأمريكي وانعكاسات سالبة على الاقتصاد ومعاش المواطن الأمريكي واحتجاجات ذوي الجنود وأهاليهم وارتفاع أصواتهم منادية بإعادتهم إلى “الديار” سالمين غير غانمين، يمشون على قدم وساق لا داخل توابيت محمولة على أعناق زملائهم، وتخليصهم من حرب “لعينة” لا ناقة لهم فيها ولا جمل وفي بلد يبعد عنهم آلاف الأميال لصالح رجل ارتكب إبادة جماعية ومطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية.
هكذا يرى السواد الأعظم من الأمريكيين الحرب التي يخوضها ترامب ضد إيران نيابة عن إسرائيل، مستخدماََ مواردهم وأموالهم وفوق ذلك أرواح أبنائهم لصالح إسرائيل وليس لصالح بلدهم أمريكا، ومنهم من يتساءل مندهشاََ عن عجز بلادهم عن حسم المعركة في غضون أيام كما قيل لهم وكما يعتقدون بأن بلادهم هي الأقوى عسكرياََ وأن تحقيق النصر على إيران بالنسبة لها مثل إلتهام قطعة كيكة أو تناول كوب من قهوة.
لكن وكما قال الشاعر العباس بن مرداس فإن النظر بإزدراء للآخرين والتقليل من شأنهم نظرا إلى بنيتهم الضعيفة أو مظهرهم الرث لكن في داخلهم تكمن عناصر القوة والبأس الشديد على عكس مظهرهم، ومن ثم تأتي المواجهة معهم بنتيجة عكسية وغير متوقعة.
الرئيس ترامب الذي ملأ الدنيا ضجيجاََ بنصر مؤزر يملك مفاتحه في جيبه وما انفك يصرح ويزأر بقرب القضاء على إيران بضربة لا تقوم لها بعدها قائمة هو الآن في مأزق حقيقي ويجسد حاله المأزوم بيت العباس بن مرداس :
ضعاف الأُسْدِ أكثرها زئيراََ.. وأصرمها اللواتي لا تَزيرُ
ترامب وفريقه الحربي الآن يستعجلون التوصل إلى إتفاق تدور محادثاته بين مسقط “رأس الحكمة” وطهران حول مضيق هرمز حتى يتسنى لهم الخروج من المأزق التاريخي الذي انحشروا فيه بإيعاز من نتنياهو ، واشنطن تنتظر انفراجة مضيق هرمز ليكون مبرراََ مناسباََ لها لتفك حصارها البحري بصورة تحفظ لها ماء وجهها وكبريائها وتغادر ببوارجها المنطقة وتضع حداََ للمغامرة التي كلفتها ثمناََ باهظاََ فأكرم لها أن تعود بخفي حنين على أن تستمر في الحرث في مياه الخليج!!
وقد أكد ذلك لـ “رويترز” مسؤول أمريكي فضل حجب اسمه بحسب الوكالة أن بلاده سترفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية بمجرد الإعلان عن الإتفاق واستئناف حركة الشحن التجاري دون عوائق!!
يقول المسؤول الأمريكي هذا الكلام وكأن مهمة بلاده التي بسببها شنت الحرب على إيران كانت بسبب مضيق هرمز الذي كان مفتوحاََ في الأصل.
وهكذا تراكمت على أمريكا كل أسباب الانسحاب من الورطة ، فبالإضافة إلى احتجاج ذوي الجنود العالقين في حاملات الطائرات والسفن الحربية في وضع بئيس، وغلاء أسعار الوقود في محطات الوقود في المدن الأمريكية، يحتدم الجدل بشأن مخزونات الذخائر الأمريكية، وبرز هذا الجدل إلى العلن مؤخراً بعد أن كان مخفياََ حيث أظهرت تقديرات محدثة تراجعاََ ملحوظاََ في مخزونات بعض الصواريخ الاعتراضية والدقيقة، دفعت الرئيس ترامب لإصدار أمر بإجراء تحقيق في تسرب المعلومات بشأن هذه المخزونات وفق ما ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال”. وهي واقعة ترقى بإمتياز لمرتبة “الفضيحة” قد تفوق في أثرها السالب على سمعة وقدرة أمريكا وتفوقها العسكري فضيحة ووتر غيت الشهيرة في عهد الرئيس الأمريكي الجمهوري ريتشارد نيكسون أواخر ستينيات القرن الماضي، وأدت إلى استقالته من منصبه ليصبح أول رئيس أمريكي يستقيل من منصبه حتى الآن، ويصادف اليوم الثامن من أغسطس ذكرى استقالته التي حدثت في العام 1974.
كان الفارس العربي في زمن الجاهلية حين تنفد كنانته من الرماح أو ينكسر سيفه لا يستسلم بل يستخدم ما صغر من أسلحة شخصية صغيرة مثل الخنجر أو ما يعرف الآن بالجنبية، أو الدرع، وحين يفقد كل ذلك يلجأ للاشتباك المباشر بالمصارعة الحرة لانتزاع سلاح خصمه وتجريده منه، وحين لا يجدي ذلك كله ينزع نحو التحرف لقتال “المناورة”، أو التحيز إلى فئة من رفاقه “التظاهر بالفرار” لإعادة التسلح ومن ثم العودة للقتال.
فهل ستغادر أمريكا ساحة المعركة متحرفة لقتال، أم متحيزة إلى فئة، أم أنها ستكون مغادرة بلا عودة؟
لا أحد يملك الإجابة على السؤال سوى الرئيس ترامب.
والدرس الذي يجب أن يستفاد من هذه الأزمة هو أن القوة مهما عظمت فهي ليست وحدها العنصر الحاسم في تسوية النزاعات وحل الخلافات والمشكلات وأن الإعتماد عليها وحدها في ذلك يورد صاحبها المهالك.
ورغم أن الدرس الماثل الآن خاص بالحالة الأمريكية في الأزمة الحالية، إلا أن فوائده مفتوحة للجميع لأخذ العظات والعبر، فالعبرة بعموم الفائدة لا بخصوص الحالة. وأول من يجب أن يعتبر ويتعظ إيران نفسها التي ستخسر لا محالة إن هي حذت حذو أمريكا بالإستئساد على جيرانها ومحاولة فرض سيطرتها وهيمنتها على المنطقة بالقوة أو محاولة فرض الوصاية على دولها والكف عن النهج الفرعوني “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”.






