كانت أول جولة ميدانية له خارج مسقط: تفاصيل من أول زيارة للسلطان قابوس إلى ولاية صحار

شكّلت زيارة السلطان قابوس إلى صحار بعد أقل من أسبوعين على انطلاق النهضة محطة مبكرة للتلاحم بين القيادة والشعب، وشهدت مبايعة الأهالي وجولة في معالم الولاية.

عن الكاتب

د.محمد بن حمد العريمي
د.محمد بن حمد العريمي

باحث ومختص في التاريخ العماني

كانت أول جولة ميدانية له خارج مسقط: تفاصيل من أول زيارة للسلطان قابوس إلى ولاية صحار
تفاصيل من أول زيارة للسلطان قابوس إلى ولاية صحار
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
بعد أقل من أسبوعين على انطلاق النهضة العُمانية الحديثة، سجّل السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – واحدة من أهم المحطات في بدايات عهده، حين قام في 10 أغسطس 1970م بزيارة تاريخية إلى ولاية صحار، ضمن أول جولة ميدانية له خارج العاصمة بعد توليه مقاليد الحكم.
ولم تكن هذه الزيارة مجرد انتقال إلى إحدى ولايات سلطنة عمان، بل حملت دلالات سياسية واجتماعية عميقة، إذ مثّلت أول لقاء مباشر بين السلطان والمواطنين في الباطنة، ورسخت نهج التواصل الميداني الذي أصبح سمة بارزة في مسيرة النهضة.
”أثير“ تقترب من كواليس تلك الزيارة من خلال رواية الشيخ منصور بن حارث بن منصور العامري الذي كان والده الشيخ حارث بن منصور العامري والي صحم وقتها أحد الشهود على تلك الزيارة ومن المشاركين في الترتيبات لها واستقبال السلطان الراحل.

وصول إلى صحار

في صباح العاشر من أغسطس، أقلعت الطائرة العسكرية التي تقل السلطان قابوس من منطقة بيت الفلج بمسقط متجهة إلى صحار، حيث هبطت في مدرج عسكري ترابي يقع إلى الجنوب من قلعة صحار بنحو خمس كيلومترات.
وكان في مقدمة مستقبليه والي صحار السيد سلطان بن حمود، إلى جانب ولاة صحم ولوى وشناص، وعدد من المسؤولين والأعيان، وبعد مراسم الاستقبال، استقل السلطان سيارة عسكرية خضراء اللون تقدمت موكبًا ضم عددًا من المركبات العسكرية وسيارات المرافقين، متجهًا إلى قلعة صحار.
المجلس الذي شهد استقبال السلطان قابوس قريبًا من قلعة صحار
المجلس الذي شهد استقبال السلطان قابوس قريبًا من قلعة صحار

يوم المبايعة

عند وصول الموكب إلى القلعة، احتشدت جموع كبيرة من أهالي صحار والولايات المجاورة لاستقبال السلطان، مرددين الأهازيج الشعبية والهتافات التي عبّرت عن الفرحة ببداية العهد الجديد.
ويروي الشيخ منصور بن حارث العامري أن ذلك اليوم ظل راسخًا في ذاكرتهم باعتباره ”يوم المبايعة على السمع والطاعة“، لما شهده من التفاف شعبي واسع حول القيادة الجديدة، وإعلان الولاء للسلطان قابوس في واحدة من أولى صور التلاحم بين القيادة والشعب في فجر النهضة.
كما تناول السلطان وجبة الغداء في قلعة صحار بحضور عدد من المسؤولين والأعيان، قبل أن يبدأ جولة داخل المدينة.
جانب من أول زيارة للسلطان قابوس إلى صحار في أغسطس عام 1970م، ويبدو الشيخ حارث بن منصور كأحد المستقبلين والمرافقين أثناء الزيارة. أرشيف الشيخ منصور بن حارث العامري
جانب من أول زيارة للسلطان قابوس إلى صحار في أغسطس عام 1970م، ويبدو الشيخ حارث بن منصور كأحد المستقبلين والمرافقين أثناء الزيارة. أرشيف الشيخ منصور بن حارث العامري

جولة في معالم صحار

شملت الجولة زيارة عدد من المواقع المهمة في الولاية، حيث مرّ الموكب بفرضة صحار وسوقها القديم، قبل أن يتوجه إلى مركز كشمير التابع للقوات المسلحة.
ويُعد بيت كشمير من المعالم التاريخية البارزة في صحار، وقد شيده السيد حمد بن فيصل بن تركي البوسعيدي بعد عودته من رحلة إلى الهند نحو عام 1919م، متأثرًا بالطراز المعماري الذي شاهده في إقليم كشمير، وأطلق عليه في البداية اسم ”بيت السعادة“ لما أحاط به من حديقة جميلة، قبل أن يغلب عليه لاحقًا اسم بيت كشمير، ثم أصبح مع مرور الزمن مقرًا عسكريً عُرف باسم معسكر كشمير.

صورة أرشيفية لبيت كشمير في صحار
صورة أرشيفية لبيت كشمير في صحار
واختتم السلطان جولته بالتوقف في مركز الإرشاد الزراعي، حيث استراح قبل مغادرته عائدًا إلى مسقط.

حضور إعلامي مبكر

اكتسبت هذه الزيارة أهمية إضافية بحضور عدد من وسائل الإعلام الخليجية والعربية التي تابعت وقائعها، من بينها إذاعة دبي، وإذاعة صوت الساحل من الشارقة، وجريدة الاتحاد، التي نقلت تفاصيل الجولة إلى جمهورها.
وتُعد هذه الزيارة من أوائل الأحداث التي حظيت بتغطية إعلامية خارجية واسعة في مستهل النهضة العُمانية، وأسهمت في نقل صورة المرحلة الجديدة التي بدأت تشهدها السلطنة إلى المحيطين الخليجي والعربي.

محطة مفصلية

رغم أن الزيارة لم تستغرق سوى يوم واحد، فإنها تركت أثرًا بالغًا في ذاكرة أبناء الباطنة، إذ جسدت منذ أيام النهضة الأولى نهج السلطان قابوس القائم على التواصل المباشر مع المواطنين، والوقوف على أوضاع الولايات ميدانيًا، والاستماع إلى تطلعات الأهالي عن قرب.
ولهذا بقي 10 أغسطس 1970م حاضرًا في الذاكرة الوطنية بوصفه اليوم الذي شهد أول زيارة ميدانية للسلطان قابوس إلى ولاية صحار، وبداية سلسلة طويلة من الجولات السلطانية التي أسهمت في ترسيخ العلاقة الوثيقة بين القيادة والشعب، وأصبحت إحدى السمات المميزة لمسيرة النهضة العُمانية الحديثة.

المرجع

- الشيخ منصور بن حارث العامري. رواية شفهية، 23 يونيو 2026م.
- الصور من أرشيف الشيخ منصور بن حارث العامري

شارك هذا الخبر