خاص - أثير
قبل حسم سعر أي أرض يعرضها مالكها للبيع، يبرز دائمًا تساؤل جوهري: من يحدد القيمة العادلة للعقار؟
كان هذا التساؤل محور نقاش في وسائل التواصل الاجتماعي خلال الفترة الماضية، إذ شهدت المنصات تداولًا واسعًا حول أسعار ربما لا تعكس الواقع الصحيح، وأن طرفي المعادلة لا يتمكنان من معرفة السعر الحقيقي للعقار، أو كيفية احتساب الرسوم المفروضة على عملية البيع.
ويتداخل هذا التساؤل مع عوامل العرض والطلب، ومضاربة الأسعار، والتفاوت بين المناطق، مما يجعل وجود مرجعية دقيقة وموحدة ضرورة لحماية جميع الأطراف، وليس مجرد إجراء تنظيمي.
حملت “أثير” هذه الأسئلة إلى وزارة الإسكان والتخطيط العمراني لمعرفة آلية عمل منظومة التثمين الجديدة، والضمانات التي تكفلها، وحقيقة ما يُتداول بشأن زيادة الرسوم، وكيف يسهم هذا التنظيم في حماية الحقوق.
أعادت وزارة الإسكان والتخطيط العمراني هيكلة آلية التثمين العقاري عبر منظومة رقمية متكاملة تستند إلى بيانات موثوقة، وتعمل ضمن إطار تشريعي يتوافق مع أحدث القرارات وقانون السجل العقاري لعام 2026، بهدف تعزيز استقرار السوق، وترسيخ العدالة في التعاملات، وحفظ حقوق البائع والمشتري على حد سواء.
مرحلة جديدة في التثمين العقاري
جاءت الشراكة مع منصة “عُمان ريل” لتدشن مرحلة جديدة في التثمين العقاري، إذ تعتمد المنصة على توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى جانب المعايير الهندسية والتنظيمية في تقييم المخططات وقطع الأراضي، بعيدًا عن الاجتهادات الشخصية للوسطاء، أو الأسعار اللحظية للسوق، أو الأرقام العشوائية المتداولة.
وتقرأ المنصة تفاصيل كل قطعة أرض وما يحيط بها وفق معايير تنظيمية وهندسية دقيقة، حيث تُحدد القيمة المضافة وسعر القطعة داخل المخطط من خلال قياس العناصر الآتية:
- الموقع والخصائص الهندسية: تصنيف موقع القطعة (ركنية، وسطية، أو في بداية المخطط)، وطبيعة الطرق الملاصقة لها، ومدى توفر الشوارع المسفلتة.
- القرب من الخدمات الأساسية: قياس المسافة الفعلية إلى شبكات الكهرباء والمياه، والمدارس، والمراكز التجارية، وغيرها من المرافق المحيطة.
- الميزات المكانية: تقييم الخصائص التنافسية التي تمنح المخطط أو القطعة أفضلية مقارنة بغيرها.
وبعد تحليل هذه المعطيات، تقارن المنصة نتائجها بأقرب خمسة عقارات جرى تداولها فعليًا ضمن النطاق الجغرافي والشارع ذاته، للوصول إلى سعر أساسي أكثر عدالة وموضوعية يعكس واقع السوق الفعلي.
ولا تقتصر هذه الشراكة على الجانب التقني، إذ تمثل أيضًا بُعدًا وطنيًا، فـ”عُمان ريل” شركة عُمانية بالكامل من حيث الملكية والكوادر التشغيلية، بما يعزز تمكين الكفاءات الوطنية وإشراكها في مسيرة التحول الرقمي للقطاع العقاري.
آلية احتساب الأسعار والرسوم
عوضًا عن الاعتماد على الأسعار المباشرة المعروضة في السوق، تطبق المنصة مدخلات المعايير الفنية والهندسية لاستخراج متوسط سعري دقيق وموضوعي يقارب القيمة السوقية الفعلية، بما يحقق شفافية أكبر في احتساب الرسوم المستحقة.
ورغم دقة المنصة، فإنها لا تُعد المرجعية الوحيدة في التقييم، إذ تُدمج مخرجاتها مع قواعد البيانات والأنظمة الداخلية للوزارة، وتُربط بالبيانات الجغرافية المعتمدة، ولا يُعتمد أي تقييم إلا بعد مطابقته للمقومات التفاعلية والحيوية للمنطقة، بما يضمن أعلى درجات الدقة والموثوقية، ويحصن السوق من أي مبالغات أو تلاعب.
كيف تُختبر دقة المنظومة؟
لضمان دقة النتائج قبل الاعتماد النهائي، تطبق الوزارة آلية الربط الجديدة ضمن مرحلة تجريبية، تمنح مديري السجل العقاري صلاحية التقييم والمراجعة المستمرة، فيما تواصل فرق العمل المختصة مراجعة وتدقيق أسعار العقارات في محافظة مسقط وبقية المحافظات؛ للتأكد من توافق نتائج التثمين مع الواقع الفعلي للسوق العقاري.
القيمة العادلة: الأساس لحماية السوق
لا ينحصر الهدف من تنظيم التثمين في تحديث الإجراءات، وإنما يمتد إلى حماية استقرار السوق وخلق توازن عادل بين أطراف العملية العقارية، إذ يضمن النظام أن تعكس قيمة الأرض سعرها السوقي الحقيقي بعيدًا عن التقديرات غير الدقيقة.
وعلى سبيل المثال، قد تكون أرض في ولاية الخوض قُدرت قبل عشر سنوات بنحو 60 ألف ريال عُماني، بينما تبلغ قيمتها اليوم نحو 93 ألف ريال نتيجة ما شهدته المنطقة من نمو وتطور في الطرق والخدمات والمرافق، وهو ما يجعل التثمين المحدث يعكس القيمة الحالية للعقار لا قيمته التاريخية.
وتوفر المنظومة حماية متوازنة لجميع الأطراف، من خلال:
- حماية المشتري: من التثمين المبالغ فيه الذي لا يعكس القيمة الحقيقية للعقار، وضمان توثيقه بقيمته الفعلية بما يحفظ حقوقه مستقبلًا، خصوصًا عند الحاجة إلى إعادة التثمين لأغراض التعويض.
- حماية البائع: من بيع عقاره بأقل من قيمته العادلة، وضمان إتمام الصفقة بسعر ينسجم مع واقع التداول في السوق.
كما تسهم المنظومة في رصد التعاملات غير الطبيعية والممارسات غير الشفافة، إلى جانب مكافحة غسل الأموال، بما يعزز نزاهة السوق وموثوقية التعاملات العقارية.
لا رسوم جديدة
مع كل تحديث تنظيمي، تثار تساؤلات حول احتمالية فرض أعباء مالية إضافية، وقد حسمت الوزارة هذا الأمر بتأكيدها أن نظام التثمين الجديد لا يتضمن أي زيادة في رسوم التملك، ولم تُستحدث أي نسب جديدة.
وتستمر آلية احتساب الرسوم كما هي، من خلال تطبيق رسم التملك البالغ 3% وفق القيمة السوقية العادلة للعقار، بحيث ترتفع أو تنخفض الرسوم تبعًا لتلك القيمة دون أي إضافات مستحدثة، وهو ما يضمن كفاءة التحصيل ويمنع التجاوزات غير القانونية التي قد تضر بالمشترين. وفي السياق ذاته، كانت وزارة المالية، بالشراكة مع وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، قد خفضت سابقًا حزمة من الرسوم في إطار الجهود الرامية إلى تنشيط السوق العقاري.
وتأتي هذه المنظومة تتويجًا لجهود حوكمة القطاع العقاري، بما يرفع مستويات الشفافية، ويعزز استقرار البيئة الاستثمارية، ويرسخ العدالة في التعاملات، لتكون القيمة السوقية للعقار مبنية على بيانات دقيقة ومعايير فنية موحدة، بعيدًا عن الاجتهادات والتقديرات الفردية.





