قانوني يُجيب: مَن يدفع فاتورة تلوث جنوح السفينة قبالة الحلانيات؟

تتيح القوانين العُمانية والاتفاقيات الدولية استرداد تكاليف احتواء التسرب النفطي وتنظيف البحر والأضرار من مالك السفينة والتأمين ونظام التعويض الدولي.

عن الكاتب

محمد العريمي
محمد العريمي

محرر وكاتب صحفي

قانوني يُجيب: مَن يدفع فاتورة تلوث جنوح السفينة قبالة الحلانيات؟
السفينة الجانحة ”CAROLINE BEZENGI“
أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
لم تعد حادثة جنوح السفينة ”CAROLINE BEZENGI“ عند جزر الحلانيات مجرد واقعة بحرية تتولى الجهات المختصة التعامل معها ميدانيًا، فمع امتداد آثارها إلى البيئة البحرية وظهور بقعة نفطية، دخلت الحادثة مرحلة أخرى تتعلق بالمسؤولية والتكاليف والتعويض.
منذ التحرك الأول للتعامل مع السفينة، مرورًا بجهود احتواء التسرب ومراقبته، تتراكم فاتورة لا تتعلق فقط بما يجري في البحر، بل بما قد يترتب عليه قانونيًا وماليًا، فتكاليف المكافحة والتنظيف والإجراءات الوقائية والأضرار المحتملة لا تختفي بانتهاء عمليات الاستجابة، وإنما تنتقل بعدها إلى ساحة أخرى: تحديد المسؤولية، واسترداد التكاليف، وملاحقة التعويضات.
وهنا تفتح ”أثير“ ملف حادثة ”CAROLINE BEZENGI“: مَن يتحمل الفاتورة في النهاية؟

تسلسل الحادثة: من الإنذار الأول إلى اتساع البقعة

لم تكن الأزمة وليدة اللحظة، بل بدأت فصولها الأولى في 23 يوليو 2026، عندما وجهت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات إعلانًا إلى ملاك السفينة بانتشال السفينة وحمولتها في موعد أقصاه ذلك اليوم، ملوحة باتخاذ الإجراءات القانونية وفقًا للقانون البحري العُماني في حال عدم تنفيذ ذلك خلال التاريخ المحدد.
لكن مع دخول شهر أغسطس، اتخذت الأزمة منعطفًا بيئيًا، ففي 6 أغسطس، أوضحت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات وهيئة البيئة أنهما تتعاملان، بالتعاون مع الجهات الحكومية المختصة، مع حادث السفينة للحد من أي آثار محتملة على البيئة، مؤكدتين في بيان لهما أن جميع الفرق الفنية المختصة تواصل العمل على متابعة تطورات الوضع وتنفيذ الإجراءات اللازمة وفق الاختصاصات والخطط المعتمدة للاستجابة للطوارئ، بهدف الحد من أي آثار محتملة على البيئة البحرية وسلامة الملاحة، مع تفعيل الرقابة المستمرة عبر صور الأقمار الصناعية والمسوحات الميدانية.
وبحلول 10 أغسطس، تكشفت تفاصيل التسرب، إذ أظهرت أحدث التحليلات بقعة نفطية تبلغ نحو 390 كيلومترًا مربعًا شمال شرق جزر الحلانيات، تقترب من الساحل لمسافة 7 كيلومترات.
ورغم أن الرقم قد يبدو مقلقًا للوهلة الأولى، سارعت هيئة البيئة إلى تقديم توضيح علمي مهم: هذه المساحة الجغرافية لا تمثل كمية النفط المتسربة، بل تمثل المساحة التي ظهر فيها التلوث، ولا يمكن تحديد الكمية بصورة مباشرة، لارتباطها بعوامل عدة، من بينها سماكة الطبقة وحركة التيارات.
أمام هذا التدخل الوطني لمعالجة التسرب وتأمين السفينة، تبرز مجموعة من التساؤلات القانونية: ماذا تقول القوانين العُمانية والدولية عن هذه الحادثة؟ وما الالتزامات الناشئة عنها؟ ومن يتحمل في النهاية فاتورة التلوث النفطي؟ وهل يمكن لسلطنة عُمان المطالبة بالتعويض؟
نقلنا هذه الأسئلة إلى المحامي والخبير القانوني سيف المعمري، الذي وضع قاعدة أساسية في بداية حديثه قائلًا: ”القانون العُماني لا يجعل الخزانة العامة تتحمل في النهاية تكلفة خطأ السفينة؛ الأصل أن الملوث يتحمل تكلفة التلوث، مع وجود منظومة دولية للتأمين والتعويض”.

ماذا يقول القانون العُماني عن هذه الحادثة؟

هذه الواقعة تحكمها منظومة متكاملة من القانون البحري العُماني، وتشريعات حماية البيئة ومكافحة التلوث البحري، إلى جانب الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها سلطنة عُمان.
فهناك القانون البحري الحالي بالمرسوم السلطاني رقم 19/2023، وإلى جانبه قانون حماية البيئة ومكافحة التلوث الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 114/2001، والأكثر مباشرة في هذه الحالة قانون مراقبة التلويث البحري الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 34/74، والاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها سلطنة عُمان.
وتجمع القوانين المحلية والدولية على مسؤولية مالك السفينة عن تكاليف الحد من التلوث ووقفه وتقليله وإزالته وإعادة البيئة إلى الحالة التي كانت عليها، وكذلك عن الأضرار الناتجة عن التلوث، دون اشتراط إثبات الخطأ أو الإهمال، وذلك في الحدود والشروط التي يقررها القانون.

كيف يتعامل القانون مع الالتزامات المختلفة الناشئة عن الحادثة؟

يمكن النظر إلى التعامل مع الحادثة في ثلاث مراحل:

  1. منع تفاقم الضرر: للجهات المختصة صلاحيات التدخل واتخاذ إجراءات الطوارئ للحد من التلوث أو وقفه أو تقليله، كما تمنح تمنح القوانين المحلية السارية صلاحيات واسعة عند وقوع حادث يمكن أن يؤدي إلى تلوث واسع النطاق، وإذا لم تُنفذ التعليمات، تجيز اتخاذ الإجراءات اللازمة بصورة مستقلة.
  2. معالجة الضرر: أي احتواء البقعة، وتنظيف البحر والسواحل، وحماية المناطق الحساسة بيئيًا، وتأمين السفينة، ومنع المزيد من التسرب.
  3. تحديد المسؤولية واسترداد الأموال: وهنا تنتقل المسألة من ”إدارة أزمة“ إلى ”مطالبة قانونية“: من المسؤول؟ ومن المؤمن؟ وما تكلفة الاستجابة؟ وما الأضرار البيئية والاقتصادية التي ترتبت؟
والقانون العُماني يجيز المطالبة بالتكاليف التي تكبدتها الحكومة لوقف التلوث وإزالته وإعادة البيئة، بالإضافة إلى الأضرار، كما يجيز اتخاذ إجراءات ضد السفينة في الحالات التي يحددها القانون، بما فيها الحجز عند قيام المسؤولية وعدم تقديم المبلغ أو الضمان المطلوب.

ماذا تقول اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار؟

اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي صادقت عليها سلطنة عُمان بموجب المرسوم السلطاني رقم 67/89، تجعل حماية البيئة البحرية التزامًا دوليًا على الدول، وليس مجرد مسألة داخلية. فالجزء الثاني عشر من الاتفاقية يتعلق بحماية البيئة البحرية والمحافظة عليها، ويلزم الدول باتخاذ التدابير اللازمة لمنع التلوث البحري وخفضه والسيطرة عليه، بما في ذلك التلوث الناجم عن السفن.
وتمثل اتفاقية قانون البحار الإطار العام، بينما توجد اتفاقيات دولية أكثر تخصصًا في مسألة التعويض عن التسرب النفطي، وقد انضمت عُمان إلى بروتوكولي 1992 المعدلين لاتفاقية المسؤولية المدنية عن أضرار التلوث النفطي CLC 1992 واتفاقية إنشاء الصندوق الدولي للتعويض عن أضرار التلوث النفطي Fund Convention 1992 بموجب المرسوم السلطاني رقم 57/94.
وهذه الاتفاقيات مهمة في هذه الواقعة، لأن CLC تقوم، من حيث الأصل، على تحميل مالك الناقلة المسؤولية عن أضرار التلوث النفطي، مع إلزام السفن المشمولة بالاتفاقية بالتأمين أو تقديم ضمان مالي يغطي مسؤوليتها.
كما انضمت عُمان في عام 2020 إلى اتفاقية المسؤولية المدنية عن أضرار التلوث بزيت وقود السفن لعام 2001 – Bunkers Convention بموجب المرسوم السلطاني رقم 25/2020.

من يتحمل فاتورة التلوث النفطي؟

من المبكر قانونًا القول إن الشركة المشغلة وحدها هي التي ستدفع الفاتورة، فأولًا يجب تحديد مالك السفينة المسجل، والمشغل، وشركة التأمين أو نادي الحماية والتعويض P&I، وطبيعة النفط المتسرب، ومصدر التسرب، ثم تطبيق نظام المسؤولية المناسب.
لكن القاعدة الأساسية واضحة: ”الأصل أن تكلفة التلوث لا ينبغي أن تتحملها الدولة في النهاية، وإنما يتحملها المسؤول عن مصدر التلوث وفق النظام القانوني المنطبق، ويأتي التأمين البحري ونظام التعويض الدولي لضمان وجود مصدر مالي للتعويض”.
وبالنسبة لناقلة تحمل نفطًا خامًا، فإن نظام CLC 1992 يضع المسؤولية عن أضرار التلوث الناشئة عن النفط المتسرب من الناقلة على مالك السفينة، وهي في الأصل مسؤولية مشددة، مع استثناءات محدودة وحق في تحديد المسؤولية وفق شروط الاتفاقية.
أما عدم الاستجابة لتعليمات السلطات العُمانية، فقد تكون له آثار قانونية مستقلة، فقانون مراقبة التلويث البحري يسمح للسلطات بإصدار التعليمات واتخاذ الإجراءات اللازمة عند عدم تنفيذها، كما يجيز في حالات معينة حجز السفينة.

هل يحق لسلطنة عُمان المطالبة بتعويض؟

من حيث المبدأ، توجد أسس قانونية للمطالبة، والمطالبة ليست بالضرورة ”مبلغًا واحدًا”، وإنما قد تشمل عدة فئات، فالقانون العُماني ينص على تكاليف الحد من التلوث ووقفه وتقليله وإزالته وإعادة البيئة إلى حالتها السابقة، فضلًا عن الأضرار الناتجة عنه. كما أن قانون حماية البيئة ومكافحة التلوث ينص على التزام من أحدث ضررًا بيئيًا بإزالته على نفقته وإعادة الوضع البيئي إلى ما كان عليه قبل المخالفة، فضلًا عن التعويض اللازم.
وعلى المستوى الدولي، صُمم نظام CLC/Fund لتوفير إطار للتعويض عن أضرار التلوث الناتجة عن حوادث ناقلات النفط، ويوفر صندوق 1992 تعويضًا إضافيًا في الحالات التي لا يكون فيها التعويض المتاح بموجب CLC كافيًا أو متاحًا وفق شروط النظام، وقد سبق للصندوق الدولي للتعويض عن أضرار التلوث النفطي التعامل مع حادثة Nesa R3 في سلطنة عُمان عام 2013.

ما الذي يمكن المطالبة به تحديدًا؟

بحسب الإثبات والنظام القانوني المنطبق، قد تشمل المطالبات تكاليف مكافحة التلوث وتنظيف البحر والسواحل، وتكاليف الإجراءات الوقائية، واستعادة البيئة المتضررة، والأضرار الاقتصادية المباشرة المرتبطة بالتلوث.
وفي إطار CLC 1992، يشمل مفهوم ضرر التلوث كذلك التدابير المعقولة المتخذة لمنع الضرر أو الحد منه، بينما يخضع الضرر البيئي لقواعد محددة في الاتفاقية.
ومساحة البقعة النفطية ليست معيارًا لتحديد قيمة التعويض، فالـ 390 كيلومترًا مربعًا المعلنة حاليًا هي مساحة جغرافية ظهر فيها التلوث، وليست كمية النفط المتسربة، ولذلك لا يمكن إعطاء رقم للتعويض بمجرد معرفة مساحة البقعة.

من يدفع الآن ومن يتحمل نهائيًا؟

عمليًا، الدولة لا تستطيع أن تنتظر انتهاء النزاع القانوني قبل حماية البيئة، ولذلك قد تتحمل الجهات الحكومية تكاليف الاستجابة العاجلة أولًا، لكن هذا لا يعني أن الخزانة العامة تتحملها نهائيًا، والقانون يسمح بالمطالبة باسترداد التكاليف من المسؤولين عن التلوث، والاستفادة من التأمين ونظام التعويض الدولي متى انطبقت شروطه.

هل عدم تحرك الشركة منذ البداية يزيد التعويض؟

ليس بصورة آلية، لكن إذا ثبت فنيًا أن التأخير في اتخاذ الإجراءات أو عدم تنفيذ التعليمات أدى إلى زيادة انتشار التلوث أو زيادة تكلفة المكافحة، فإن ذلك يصبح عنصرًا مهمًا عند تحديد المسؤوليات والسببية وحجم الأضرار والتكاليف القابلة للمطالبة.
ويختتم المعمري حديثه مع ”أثير“ بالتأكيد على أن القانون العُماني والاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها سلطنة عُمان يوفران أساسًا قانونيًا لملاحقة المسؤول عن التلوث والمطالبة بتكاليف المكافحة والتنظيف والأضرار والتعويضات المستحقة، وتدخل الدولة الآن لحماية البيئة البحرية واحتواء التلوث لا يعني بالضرورة أنها هي من ستتحمل الفاتورة النهائية.

شارك هذا الخبر