أثير- سيف المعولي
مَن مِنّا لا يعرفُ الطموح، ومَن مِنا لم يقرأ يومًا قصةً عن شخص “آمن بنفسه” فانطلق في فضاء الله الفسيح بلا خوف أو تراجع، لكن القصص وإن تشابهت في “الغاية” إلا إنها تختلف “في التفاصيل”.

قصتنا التي نرويها عبر السطور القادمة حُقّ لها أن تكون “فريدة”، ليس في التفاصيل فحسب؛ وإنما في الإصرار على الطموح رغم المعوقات.
أحمد بن حمود بن خميس البوسعيدي بدأ حياته كأي شابٍ طموح؛ إذ رسم في مخيلته مستقبلًا زاهرًا خصوصًا وأنه يحب تعلّم كل ما هو مفيد، ويحب المغامرة وتسلّق الجبال وتذوق جمال الطبيعة والغوص، كما أنه أحبّ أن يتعلم كل ما يتعلق بالبحر رغم أن نشأته كانت في بيئة بعيدة كل البعدِ عن البحر، وتحديدًا في ولاية منح بمحافظة الداخلية.

إلى هنا وقصة البوسعيدي تتشابه في مضمونها مع البقية، لكنّ النقلة في حياته كانت في يوم الثلاثاء ٢٥-١١-٢٠١٤م، وندع له المجال ليتحدث عنها، حيث يقول: كنت أتجهز لرحلة تخييم في إحدى المناطق القريبة من البحر، ونقصنا غرض من الأغراض، فقررت أن آخذ دراجتي النارية للتسوق من أحد المجمعات التجارية القريبة، وأثناء العودة قدّر الله وقوع حادث لي قرب البيت بـ 7 كيلومترات تقريبًا بسبب عطلٍ فني في مقود الدراجة أدى إلى تدهوري واصطدامي بعمود إنارة وفقدان ساقي اليمين مباشرة.
البوسعيدي كان بكاملِ وعيه بعد الحادث؛ إذ شهد كلّ شيء أمام عينيه: رأى ساقه مبتورة وأحس بأوجاع في عدة أماكن من جسمه، لكن الله ألهمه القوة – كما يقول- ولم يضعف ساعتها.

المشهد يتحول إلى المستشفى، وتحديدًا في الساعة السادسة فجرًا، حيث جاء الخبر: ساقك المبتورة لا مجال لعودتها ثانية. “الحمد لله، هذا اختبار من الله في الصبر ويجب عليّ أن أتقبل الوضع وألا أستسلم” هكذا ردّ أحمد على من أوصل له الخبر.
رغم مشهد البكاء الذي يراه من حوله: الأهل والأصدقاء، إلا أنه كان يبتسم لهم ويؤكد بأنه بخير، وبعد 3 أشهر سافر إلى جمهورية ألمانيا لتكملة العلاج وتفصيل الأقدام الصناعية اللازمة. يروي البوسعيدي أحد المشاهد من هناك بقوله: لا أنسى كلام مساعد الدكتور الفني الذي كان يصنع لي الطرف الصناعي، قال لي: أنت أول مريض لدينا استطاع أن يمشي بالقدم الصناعية الأولى من أول يوم بلا مشاكل أو فقدان الاتزان، وهذا حفّزني أكثر على التدريب وتحمل كل الصعاب، والآلام المترتبة على المشي بالطرف الصناعي الجديد.

أحمد لم يستسلم، ولم يمنعه وضعه الجديد من العودة إلى هواية الغوص، حيث فصّل طرفًا خاصًا لهذه الهواية، وبعد تدريب استمر حوالي 6 أشهر استطاع الغوص الحر إلى عمق ١٣ مترًا بدون أسطوانة غاز، وهو مستوى أقل بدرجتين فقط عن العمق الذي كان يصل إليه قبل الحادث.
واصل مسيره، والتحق بدورة غوص حر مع المدرب يحيى الهوتي الذي وقف معه وسانده حتى حصل على الشهادة المعتمدة ورخصة الغوص الحر بالمستوى الأول، ووصل إلى عمق ١٨مترًا. بعدها وصل إلى عمق ٢٦ مترًا، والطموح لا يزال مستمرًا معه للوصول إلى عمق ٣٠ مترًا.
أحمد لم يُنسِه وضعه الجديد هواياته الأخرى؛ إذ عاد إلى المشي في الأودية، وهنا يذكر أحد مدربيه قائلا: لا أنسى وقفة الكابتن عيسى بن محمد الصوافي الذي خصص جزءًا من وقته لتعليمي الكثير من الأمور المختصة بالتسلق الجبلي والنزول بالحبل ولبس ملابس الوقاية الخاصة بذلك حتى أصبحت عضوًا في فريق شباب عمان للمغامرات وقطعنا برفقتهم الكثير من المسارات الجميلة بالجبال والأودية وتحدينا الصعاب مع الفريق، وهذا الأمر أعطاني قوة وحبًا في المتابعة والاستمرارية واكتشاف الطبيعة الخلابة الجميلة لعُماننا الحبيبة، وبفضل من الله أصبحت من الأشخاص المروجين للسياحة الداخلية للسلطنة.
رغم أن السطور هنا عبر “أثير” لا تكفي لرواية تفاصيل هذه القصة الطموحة إلا أن صاحبها أراد أن يختمها برسائل تعلّمها من حياته، لعلّها تُحدِث تغييرًا إيجابيًا في نفس قارئها فيقول: تعلمت أنه مهما كانت الصعاب من حولك لا وجود للمستحيل في عالم الإرادة، فاسعَ، وكافح وستصل بتوفيق من الله. كما تعلمت بأن السقوط لا يعني الفشل، وإنما قد يكون إيقاظًا لحياة أخرى واستدراكًا لما فاتك لتلحق به. كذلك تأكدت بأن الأهل والأصدقاء كنزٌ ثمينٌ علينا أن نحافظ عليه.





