الشاعر العربي الكبير أدونيس يكتب لـ “أثير”: صورتان لعُصاب العبوديّة

الشاعر العربي الكبير أدونيس يكتب لـ “أثير”: صورتان لعُصاب العبوديّة
الشاعر العربي الكبير أدونيس يكتب لـ “أثير”: صورتان لعُصاب العبوديّة

ــ 1 ــ
أدّتِ التّقنيةُ الحديثة، بخاصّةٍ في صورها وأشكالها الاستهلاكية، إلى نشوء عُصابٍ جديدٍ سياسيٍّ عند الإنسان هو عُصابُ العبوديّة لِمَن هو الأعلى، سلطةً، واقتصاداً، وثقافةً. لهذا العُصاب عمليّاً، خصوصاً في شكله السّياسيّ، صورتان: الاستِتْباعُ في الدّاخِل، والتَّبَعيّةُ للخارج.


وهو عُصابٌ يولِّدُ عند صاحبِه الشّعورَ بأنّه يزدادُ قدرةً على استِتْباع الآخرَ الدّاخليّ، بقدرِ ما تَزْدادُ تبَعيَّتُه للآخر الخارجِيّ. هكذا يبدو الإنسانُ ” الحديث ” كأنّه في آنٍ، عبدٌ وطاغية. أو كأنّه عبدٌ طاغية.

وتُسْهِمُ وسائلُ الإعلام في تثبيت هذه الصّورة عن وضع الإنسان الحديث، فهي قلّما تُعنى إلاّ بأولئك الذين يعيشون تحت راية ” الأعلى ” ــ أو قريباً إليها. وإذا كانت أحياناً تُعنى بمن هو ” الأدنى “، فلغايةٍ واحدة:
إثباتُ هذا النّوع من ” العلوّ”.


هذا وضعٌ ثقافيّ لا يتعارَضُ مع الثّقافةِ المَوْروثة، بخاصّةٍ في أشكالها الوحدانيّة التّقليديّة. على العكس يبدو أنّه متصالِحٌ معها على نَحْوٍ عميقٍ وكامل. وهذا ما تؤكِّدُه التّجربةُ الحيّةُ في العالَم كلِّه. ذلك أنّ هذا الدّاء، داءُ التّبعيّة، خاصّيّةٌ أساسيّةٌ في الحياةِ الإسلاميّةِ العربيّة، منذ سقوطِ الخلافةِ في صورتها العثمانيّة. وقد أسّسَ لهذا الدّاءِ الغربُ الأوروبّيّ، عندما كان لا يزالُ يعيش على مُنجَزاته، وعندما كان ماضيه مشروعاً ووَعداً بما هو أفضلُ وأجمل، وعندما كان يقدِّمُ نفسَه بوصفِه أفقاً مفتوحاً على العالَم.

لكنّه الآن، بعد أن صار تابِعاً، يسيرُ في الأفق الأميركيّ، بدأ يتعثّرُ ويتخبّطُ ــ ويخسرُ استقلاليّتَه، ويزدادُ انصهاراً في ” المعمل ” السّياسيّ الأميركيّ. هكذا بدأت سياسةُ الغربِ الأوروبّيّ ــ الأميركيّ، أو الأميركيّ ــ الأوروبّيّ تتحوّلُ إلى استراتيجياتٍ متنوِّعة في الغَزْوِ، والاحتلال، والاستعباد، والاستتباع، وتمزيق الخرائط الوطنيّة. وبدأت الثّقافة تتحوّل بدَوْرِها إلى استراتيجيات تدورُ حول طرُقِ الخِدْمة التي يمكن أن تقومَ بها لدعمِ خططِ الغربِ الأميركيّ الأوروبّيّ في الهيمنةِ على العالم ــ وفي خلق شكلٍ آخرَ من الاستعمارِ أشدّ هَوْلاً، وأكثر توحُّشاً ممّا عرَفَه العالَمُ سابِقاً.
ــ 2 ــ
” نعم أميركا ضخمة، لكنّ ذلك ضلالٌ ضخمٌ “: هذا ما قاله فرويد في أواخر حياته.
وكم يبدو هذا القولُ صادِقاً، خصوصاً في المرحلة الرّاهنة من تاريخ العالم.
يُعلّق الفيلسوفُ الفرنسيّ ــ اللبنانيّ بول عوده Paul Audiعلى هذه الكلمة، في صَدَد كلامِه على أوروبا في كتابه ” أوروبا ووهمُها ”
( منشورات ليوشير، باريس 2003) قائلاً:
” أوروبا هي أيضاً ضخمة “، غير أنّها خِلافاً لِما توصَفُ به أميركا:
” سوءُ تَفاهُمٍ ضخم “.
وينهضُ ” سوءُ الفَهم أو التّفاهُم ” على حقيقةِ أنّ أوروبّا ” لم تعرفْ يوماً أن تكونَ ” تجسيداً حيّاً لخيالها”، كما يقولُ رومان غاري في روايتِه ” أوروبّا “.
ويقول بول عودة عن رومان غاري إنّه ” ممثِّلٌ بارزٌ وفريدٌ للثّقافة الأوروبّيّة، بل لعلّه واحِدٌ من رموزها الفائقة. خصوصاً أنّه، كما يحدِّد نفسَه ” روسيّ ــ آسيويّ، يهوديّ ــ كاثوليكيّ، فرنسيّ يكتب رواياتٍ بالفرنسيّة والإنجليزيّة، ويتكلّم اللغتين الرّوسيّة والبولونيّة.”
لكن، ما تكون أوروبّا في رأي رومان غاري؟
والجواب هو أنّها ” وَعْيٌ ” لكنّه ” شقيّ “، وهي فضاءٌ فكريّ ــ روحيّ ــ خياليّ. أو هي، بتعبير غاري ذاتِه ” مسرحٌ للفكر والرّوح “. وفي هذا كلِّه يؤكِّدُ غاري، كما يقول عودة، أنّ أوروبّا لا تُحَدَّد بكونها
” بقعةً جغرافيّة أو صِلةَ وَصْلٍ بين الشّعوب “.
ويُكمِل بول عودة، قائلاً:
” أن تكون أوروبا قد عَجِزَت عن تحقيق ما كان ممكِناً أن يخلقَها، فهذه هي المُفارَقة التي تعيشُها أوروبا ” الكيان الحقيقيّ ــ الكاذِب “، الحاضرة ــ الغائبة، الواقعيّة ــ الوهميّة. ويتساءل بلسان أرسطو: هل أوروبّا واقِعٌ استيهاميّ؟
ــ 3 ــ
يقول إدغار موران، المفكِّر الصّديق ــ صديق الإنسان ــ حرّيّاتٍ وحقوقاً: ” ننتقلُ في الحضارة (الرّاهنة) من مشكلة إنسان المَغاوِر، إلى مشكلة مَغاوِرِ الإنسان ” ــ
إنّها المَغاوِرُ التي تحفرها سياسةُ الغرب الأميركيّ ــ الأوروبّيّ.










شارك هذا الخبر