أثير- موسى الفرعي
قلة هم المارون القادرون على ترك أثر باقٍ في النفس والذاكرة، صحيح أن الذكريات تلك الأحداث والمشاعر التي تمر بنا فتبقى عالقة لا نقدر الفكاك منها، لكن الإنسان هو صانعها، فإما أن يصنعها الإنسان ذاتيا بأشياء مادية، وإما أن تكون أثرا روحيا يتركه الآخر ويرحل مؤمنا أن ما تركه في نفوس الآخرين هو ضوءٌ في رحلة الحياة وزادٌ في سفرنا الحياتي والعملي، لأننا نستقي منها الخبرات ونقطف منها ثمار التجربة.
الحديث هنا يستوجب الإشارة إلى سعادة عيد بن محمد الثقفي سفير المملكة العربية السعودية لدى السلطنة الذي يغادرها بعد أن أكمل مهمته فيها كدبلوماسي ليكمل محطات أخرى، وقد عرفته صديقا محبا لعمان والعمانيين، متواضعًا تواضع الكبار العارفين، قارئا نهما وساعيا إلى المعرفة، ولم يألُ جهدا في توطيد العلاقة بين البلدين الشقيقين على مستويات كثيرة، كان يمارس عمله الدبلوماسي بحرفية عالية وذكاء فذ دون أن يتأثر جانبه وعلاقاته الإنسانية، وكل ذلك عاشه سعادته بإبداع ولباقة وصبر وشجاعة والتزام أخلاقي عال، مما جعله مؤثرا فيمن حوله.
إن من أهم الصفات التي تلازم سعادة عيد بن محمد الثقفي هي القدرة على الاستماع والترحيب بكل فكرة فيها خير ومصلحة للبلدين، فهو متحدث لبق ومستمع ذكي دون أن تطغى صفة على أخرى، وهو دقيق لأن الاستماع يتيح له فرصة التركيز في أهم النقاط وإشاعة الإحساس الكبير بالود لدى الآخر مما يساعد على رؤية الأشياء بصورة أوضح وتحليلها بشكل أدق، إضافة إلى الانفتاح والجدية والحفاظ على الهدوء، ولا يمكن أن يقاس نجاح أي دبلوماسي لا يتحلى بهذه الصفات التي يتمتع بها سعادة عيد بن محمد الثقفي بشكل فطري وطبيعي دون أي تصنع أن تكلف.
لا يمكن الحديث عن رجل كسعادته باختصار، لكنها كلمة حق لابد لها أن تقال وأخوة ومحبة صافية، ولولا الإحساس الذي بادرنا به لما كان لها أن تكون بهذا المستوى، ولو قدّر لنا ألا نلتقي به لأحببناه أيضا لما سمعنا عنه، وإن اختلف مستوى الإحساس، لكن سمعنا عنه كل خير وصفاء والتقينا به فوافق السمع اليقين، فشكرًا لسعادة السفير عيد بن محمد الثقفي على كل ما قدمه طيلة فترة وجوده بيننا أخا وصديقا ودبلوماسيا، راجيا من الله عز وجل له التوفيق في كل محطات حياته القادمة.





