نبيل المزروعي يكتب : “وأمّا السائِل فلا تنهر”، عن قصة الطفل الصغير أتحدث!

في مقال منشور عام 2021، يستعيد الكاتب مشهد طفلين شقيقين طرقا المنازل لبيع ما اصطاداه من البحر، أملا في شراء جهاز للدراسة، ويدعو إلى تعزيز التكافل ومساندة المتعففين.

نبيل المزروعي يكتب : “وأمّا السائِل فلا تنهر”، عن قصة الطفل الصغير أتحدث!
نبيل المزروعي يكتب : “وأمّا السائِل فلا تنهر”، عن قصة الطفل الصغير أتحدث!

أثير- نبيل المزروعي

قصة حقيقية سأكتب وأتناول تفاصيلها باختصار كبير .. ليس لأني لا أتذكر فصولها بدقة؛ أو أني سأقفز فوق مشاهدها السريعة .. وإنما لأن لحظة معايشتي لتفاصيلها ” مبكية و أليمة ” – لم لا – وأبطالها صغار مساكين يبحثون عن لقمة العيش ويطرقون الأبواب بعزة نفسٍ تغلفُها نظرة انكسارٍ وخجل .

نعم خرجت لأرى الطارق على باب بيتي؛ وإذا به طفل صغير لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره؛ يقف وهو يحمل كيسًا بيده اليمنى، ويده اليسرى ممسكةً بمقود دراجته الهوائية، تفاجأت لأني لا أعرفه ولم أشاهد ملامح شكله في قريتي الكبيرة؛ حتى إني لم أرَ فيه شبهًا لأحد أقربائي أو أصدقائي .. سألته بلطف: تفضل حبيبي؛؛ وقبل أن يُجيب اصطادت عيناي زميلًا له على حافة ركن “المنزل” لا يكبره كثيرًا .. ولديه تفاصيل قريبة جدًا من الطفل الذي كان يقف أمامي ويُحدثني بصوت مرتفع؛ إلا أنني لم أسمعه أو بالأصح لم أنصت لحديثه في لحظتي تفكير وسرحان، أبحث من خلالهما عن تقريب المشهد ومعرفة حقيقة وسر ما يُخفيه الاثنان؛ أحدهم أمامي والآخر على الزاوية هُناك.

وبردة فعل تلقائية، ناديت الطفل البعيد ” تعال تعال”، وإذا به يقترب وهو يدفع بدراجته الهوائية المُتهالكة ببطء شديد يعكس شعوره بالخوف والخجل في آن واحد .. ووقف على بُعد بضعة أمتار دون أن ينبس ببنت شفة، المشهد الذي أعادني من جديد إلى دفة حديث الطفل الذي أمامي، والذي كان مُسترسلًا في حديثه بطريقة محلية تلُفها البراءة، حيث كان يعرض عليّ شراء ما يحمله في الكيس التي بيده، وهو عبارة عن وجبة بحرية “دوك” حسب تسميته في منطقتنا والمناطق المجاورة، وهو ما يسميه البعض “محار البحر”، وهو وجبة بحرية لذيذة جدًا بعد طهيها وإضافة بعض المكونات – حسب الرغبة – لها .

عمومًا .. في ذلك الوقت من النهار، لم تكن لدي الرغبة في اقتناء أو شراء ما يحملون، لكن قادني الفضول الجامح لتساؤلات عدة طرحتها على الطفلين، بعد أن اكتشفت حقيقة أنهم أخوة أشقاء من منطقة تبعد عددٍ من الكيلومترات عن منطقتنا، التساؤلات التي تيقنت معها أن كبرياء خجل السؤال، -صفة- ليست مقرونة بكبار السن فقط، وإنما حتى الأطفال إذا ما ضاقت بهم الحياة وسبلها، فكل محاولاتي للحصول على إجابات واضحة وصريحة، كانت يائسة، خصوصًا من الشقيق الأكبر سنًا، لأنه كان واقفا متسمرًا خجِلًا مما هو عليه .

توصلت إلى حقيقة أنهم يمرون على المنازل بيتًا تلو الآخر، يعرضون بضاعتهم وما اصطادته أياديهم بعرق جبينهم من أجل أن يؤمّنوا سبيل عيِشهم وحياتهم وتوفير ما يلزمهم من مُتطلبات الحياة التي ربما أجبروا عليها دون مشورة أو استئذان، نعم كانوا أطفالًا صغار يبحثون عن الرزق والنصيب والريال فوق الريال، من أجل مُستلزمات لم يحلموا بها أو يتمنوها يومًا، وإنما من أجل شراء ما يُنير طريقهم ويؤمّن استمراريتهم نحو طريق العلم والمعرفة.. هكذا قالها لي الطفل الصغير بعفوية وصدق، وببراءة خالية من الزيف والتصنع والكذب والتدليس، قال لي حرفيًا : “نبيع – دوك – عشان نحصل فلوس نقدر نشتري فيهم آيباد للدراسة ” كلمات أوقفت نبض قلبي لبرهة؛ وأصمّت أُذنيّ وأدمعت عينيّ .. لم أكن أسمع حينها إلا صرخة مكتومة بصدري تُنادي ” اااااه لو أملك الآن قيمة ما تُريدون وما تحتاجون ” .

نعم هي قساوة الحياة عندما نرى أطفالًا صغارًا لم تتجاوز أعمارهم الرابعة عشر ربيعًا، وقد أنهكتهم الظروف وتكالبت عليهم مشقة الحياة، فلا الأب قادرٌ على أن يعْبر بهم أمواج المعاناة والفقر ولا هم كبارٌ للبحث عن نصيبٍ من المستقبل الهادئ البسيط، كُلها عوامل أبت إلا أن تقف سدًا منيعًا أمامهم، حتى وإن كانوا يمضون أيامهم السابقة بكل ستر وعفاف وقنوع وكفاف، إلا أن أيام “كوفيد19” وما خلفته من مصائب وآلام وأوجاع، زادت من ابتِلال الطين، ومنع دراسة الحضور وفسحة الصفوف.. مُخلفةً تعليمًا عن بُعد والحاجة لوسائل إلكترونية أكثر تحضرًا من مثيلاتها التي يستخدمها الكثيرون وتغنيهم لمجرد التواصل فقط .. فما أكثرها من تقنيات، وما أكثر مستخدميها الذين أجبرتهم الظروف على غير سواها.

لكم أن تتصوروا أحبتي؛ أن أطفالًا صغارًا -كأبنائكم- لا يسألونكم إلحافًا .. بقدر ما يأملون مد يدِ العون والمساعدة، اليد التي لا يأملون منها أن تُمد إليهم مبسوطة دون أن تأخذ مقابلا، -وجزاء الإحسان بالإحسان-،، وما هي إلا لحظات حتى ودعّتهم وأنا أُنظر إليهم وما يحملون على دراجاتهم، وكلي “حُزن وألم وأسى” مما يُعاني منه بعض أبنائنا وأخوتنا وأقربائنا،، ودعّتهم وألف غُصة وسؤال في “حلقي” كم أمثالهم كثيرون يتألمون ويتوجعون ولا نعلم عن أحوالهم .. كم أمثالهم من عضّت عليهم مخالب الحياة دون أن يشكون حالًا وحرمانًا .. سوى أنهم أوكلوا أمرهم وسرهم للخالق الباري عز وجل.

أخيرًا..
هي قصةٌ عايشت لحظاتها ووثقّت تفاصيلها .. وبقدر وجعها وألمها أحببت نقلها،، فكم من طفل صغير يجاوركم، لا تُدركون أحلامه الوردية التي أبت الظروف والمُعطيات تحقيقها .. وصدق من قال ” لِلفُقَراءِ الَّذينَ أُحصِروا في سَبيلِ اللَّهِ لا يَستَطيعونَ ضَربًا فِي الأَرضِ يَحسَبُهُمُ الجاهِلُ أَغنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعرِفُهُم بِسيماهُم لا يَسأَلونَ النّاسَ إِلحافًا وَما تُنفِقوا مِن خَيرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَليمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]


مشاهد عايشتها ولامست وجدانها لحظة بلحظة، وستمضي عابرةً أزقة الحياة وما تبوح به يومًا بعد يوم، إلا أنني أدركت يقينًا لا يقبل الشكّ والريبة أن توادنا وتراحمنا وتعاطفنا كمجتمع وبنيان مرصوص، يجب أن يكون أكثر حضورًا ووجودًا، وأن نبحث عن أصحاب الشكوى غير المُتذلّلين، فهم أمامنا كُثر وخلفنا أكثر، ولنتسلح فقط بالنية الصالحة والصادقة، حتمًا سنجدهم وسنتعرف عليهم بسِيماهُم، ولنقدم لهم حينها القليل مما تملك أيدينا، ولنترك الكثير لجهات الاختصاص والمؤسسات والهيئات، التي بدون شك لن ولم تألُ جهدًا وخيرًا لتقديم يد العون والمساعدة.

شارك هذا الخبر