عبيد بن سعيد بن سالم الوهيبي
تتأثر الثروة الحيوانية بمدى توافر الموارد الغذائية والمائية مثل المراعي الطبيعية أو ما يحل محلها من الأعلاف المخصصة للاستهلاك الحيواني. وتعد السلطنة إحدى المناطق الجافة قليلة المراعي إلا في سنوات الخصب. ويعد هذا العام من أجف الأعوام لندرة التساقط المطري إلى الآن مما حدا بمربي الثروة الحيوانية إلى التوجه نحو زيادة شراء الأعلاف المصنعة للتعويض عن شح المراعي والجفاف المستمر.
لم تكن الأسعار عند الحد المقبول الذي اعتاد عليه المستهلك فبدأت ترتفع باستمرارٍ تصاعدي منذ حلول جائحة فيروس كورونا.
في الأول من مارس الحالي انطلقت حملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تدعو إلى مقاطعة كافة أعلاف الشركات المحلية أو التي تأتي من خارج الحدود متذرعين بارتفاع أسعار الأعلاف بشكل كبير دون وجود مراعاة لأوضاع الزبائن أو تقديم أسباب مقنعة تبرر هذا التنافس بين الشركات في رفع الأسعار. أسعار الأعلاف الحالية لم تكن في متناول أيدي ملاك الماشية في الوقت الراهن على الأقل بسبب الجائحة التي يمر بها العالم اليوم وما سببته من أضرار لملاك الثروة الحيوانية التي كانت مصدر دخلهم الوحيد حيث أصبح إغلاق الحدود المتكرر عائقا للتصدير إلى جانب الاشتراطات الجديدة المتعلقة بتصدير الماشية المحلية. من ضمن الأسباب التي أسهمت في إثارة حفيظة المستهلك هي جدوى شراء الأعلاف باهضة الثمن مع مقارنتها بمردود أسعار اللحوم المحلية في السلطنة.
والماشية المستوردة كذلك لعبت دورًا كبيرًا في منافسة اللحوم المحلية حيث أفقدتها قيمتها التي تستحقها كون الثقافة المجتمعية أصبحت تميل إلى الأرخص بغض النظر عن فارق الجودة أو الولاء للمنتج المحلي.
لقد ظل ملاك الثروة الحيوانية أوفياء لهذه الشركات منذ أن طرحت منتجاتها في السوق لكن هذا الولاء سرعان ما تحوّل إلى جفاء بعد انطلاق دعوات المقاطعة لكافة أصناف الأعلاف التي تم رفع سعرها مؤخرًا، موجهين نداءهم لهيئة حماية المستهلك ووزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه ومجلس الشورى، مطالبين بالوقوف إلى جانبهم ووضع سقف لأسعار الأعلاف تستقر معه تحت رقابة هيئة حماية المستهلك.
إن المتأمل اليوم في وضع الثروة الحيوانية في البلاد يجدها تمثل أحد أهم مقومات الأمن الغذائي المحلي إلى جانب إسهاماتها المستمرة في إنعاش الحركة التجارية والاقتصادية في السلطنة، وقد نذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض الجوانب التي تعتمد في مردودها المعيشي على نشاط الثروة الحيوانية؛ ميادين سباقات الهجن والعزب التي تصل إلى المئات في بعض الميادين مثل ميدان الأبيض وميدان البشائر وغيرها من الميادين والتي يعمل فيها أعداد كبيرة من الشباب العمانيين الذين لا توجد لديهم وظائف ودخلهم الوحيد من تسويق الهجن وجوائز السباقات. علاوة على ذلك تنتشر العيادات والصيدليات البيطرية التي تخدم بشكل رئيسي هجن السباق من أدوية وفحوصات وغيرها من مستلزمات ناهيك عن أصحاب المزارع وما يبيعونه من منتجاتهم مثل البرسيم والتمور والعسل وغيرها. وبالعودة إلى شركات الأعلاف فهي المستفيد الأكبر من ملاك الثروة الحيوانية إلى جانب المتعاملين مع هذه الشركات من وكلاء ومسوقين وناقلين ومؤجرين لمنشآت المخازن والمحلات وسيارات النقل والسائقين. الكثير من الأنشطة التجارية اليوم متعلقة بالثروة الحيوانية لا نستطيع حصرها في هذا المقال كونها تكون منظومة متكاملة من الأمن المعيشي لكثير من أبناء هذا الوطن.
من ضمن الحلول المقترحة لضمان استمرارية الثروة الحيوانية، توسيع الاستثمار في استصلاح الأراضي الزراعية الخصبة وافرة المياه مثل أراضي الربع الخالي وأراضي النجد بمحافظة ظفار بدلا من استيراد الحبوب والأعلاف من الدول الأخرى، والتي قد تتوقف إمداداتها لأي سبب من الأسباب حيث تعول الدول في وقت الأزمات على مواردها وثرواتها الداخلية . وبما أن المنتجات المحلية من الأعلاف تعد الأغلى في السوق حاليا فإن مقاطعتها من قبل المستهلك قد تكون مستهدفة، وهذا يوحي بمؤشر غير مرغوب فيه في الوقت الذي نحن بحاجة ماسة إلى دعم المنتجات الوطنية لرفد اقتصاد البلد في هذه الأزمة التي تمر بها البلاد.
ونختم هذه المقالة بدعوة صناع القرار في الحكومة ممثلة في هيئة حماية المستهلك ووزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه ومجلس الشورى بوضع حلول عاجلة لهذه القضية التي تمس اقتصاد البلد وأمنه المعيشي، كما تؤثر سلبا على وفرة أحد أهم مقومات الأمن الغذائي ألا وهو الثروة الحيوانية حيث أصبح ملاكها لا يملكون الكثير من الخيارات للاستمرار في هذه المهنة مع استمرارية ارتفاع أسعار الأعلاف بهذا الحد، وقد بدأوا تدريجيا بالتخلي عن هذه المهنة وهذا مؤشر يوحي بإضافة أعباء أخرى على كاهل الدولة من حيث المطالبة بتوفير وظائف أو الانضمام إلى قوائم المستحقين لمعاش الضمان الاجتماعي.




