د. نسيمة محمد المشيخية، مشرف أول بوزارة التربية والتعليم
في ظل الوتيرة المتسارعة للتّغيّرات والتّطوّرات الّتي تحدث في زماننا هذا وفي ظل “كوفيد 19″، وباعتبار التّعليم من أهمّ الاحتياجات الإنسانيّة، ولتلبية احتياجات المتعلّمين بعيدًا عن الشّكل التّقليديّ للتّنفيذ، جاءت دعوات “التعلم عن بعد” -التي صاحبت انتشار الفيروس-لتجتاح حواجز المكان والزمان وللتّكيّف مع الظّروف الجديدة من أجل أن تبقى عجلة التّعليم مستمرّة في دورانها.
فقد تأثر قطاع التعليم بشكل كبير بسبب إغلاق المدارس والجامعات وذلك للحد من انتشار الوباء، الأمر الذي أدى إلى إيجاد حالة من الذعر لدى الجميع، متسائلين عن كيفية مواصلة مسيرة التعليم في ظل خوض العالم تحديا كبيرا لهزيمة هذا المرض في جميع مناحي الحياة، وبعد أن أصبح الحل الوحيد هو التعليم عن بُعد لكافة المراحل التعليمية، بدأت التحديات والصعوبات بمواجهة المسؤولين بوزارة التربية والتعليم واداراتها والمعلمين والطلاب واولياء الامور ، فقد تغيرت الادوار واصبح لكل منهم دور مختلفة عن الأدوار الّتي كان يؤدّيها أثناء التّعلّم التّقليديّ، ومتطلبات مختلفة فرضتها الحالات الطارئة، والتحديات كثيرة ومتعددة جعلتنا نسترجع المقولة الراسخة في اذهان كافة العمانيين “سنعلم أبناءنا ولو تحت ظل شجرة”
هذه المقولة السامية للسلطان الراحل قابوس بن سعيد المعظم – طيب الله ثراه- والتي كانت بمثابة المحرك الأساسي لشحذ الهمم ، ولمواجهة تحديات العصر وبناء نهضة قوية، فالهدف واحد والمصير مشترك ، فقد شهدت السلطنة بعد هذه المقولة نقلة نوعية و كمية ضخمة ساهمت في خلق جيل مؤمن قادر على تحمل المسؤولية في البناء الوطني من جانب ، وفي مواكبة التحول المطرد في الحياة العصرية من جانب آخر، ومن هذا المنطلق وفي ظل ما وصلت له المسيرة التعليمية من تطور، وما حظيت به التجربة العمانية التعليمية من إشادات دولية بوصفها إياه بأنه نموذجا دوليا ناجحا يستحق أن يحتذى به؛ جاءت تجربة التعلم عن بعد لتثبت جدارتها و لتضيف نجاحا اخر لمسيرة التعليم وتثبت بإن ما تقوم به الدولة من مجهودات واسعة آتت ثمارها، ولتبرهن مرة أخرى بقدرة المواطن العماني على تصدي كافة التحديات التي تواجهه في مختلف المجالات بكفاءة وفاعلية وذات طابع مميز.
ورغم التحديات العديدة التي واجهتها السلطنة لاستمرارية تقديم خدمة “التعليم عن بعد ” في منظومتها التعليمية في ظل جائحة كورونا، الا انها حققت إنجازات كثيرة ونجاحا بارزا، أوصلت منظومة التعليم الى اعلا درجات التنافس الدولي بتناغم فريد مع روح العصر، وجوهره، ومعطياته، وعاكساً لثقافات ومتغيرات متعددة، ساهمت بان تكون السلطنة محط نمو وازدهار.
فعلى خطى متسارعة ، وفي زمن قياسي، وعلى قدم وساق، استطاعت وزارة التربية والتعليم في سلطنة عمان بجهود كوادرها المخلصين من تذليل ابرز تحديات مواصلة التعليم في ظل هذه الازمة بالتعاون مع كافة الجهات والقطاعات الحكومية والخاصة، افرادا وجماعات، لتسطر لنا احد أروع الملاحم الوطنية للشراكة المجتمعية بوتيرة منظمة، استمدت نهجها من مبادرة القائد الملهم حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – بتسديد توجهاته السامية بتوفير أجهزة حاسب آلي محمول لكافة الطلبة الجدد الملتحقين بمؤسسات التعليم العالي من أسر الضمان الاجتماعي والدخل المحدود ، وتوالت بعدها المبادرات المختلفة من جهات متعددة على نفس الخطى، وقدمت خدمات توفير الأجهزة والحواسيب المحمولة لكافة طلاب المراحل الدراسية المختلفة، لتعزيز استمرارية التعليم ، وقامت هيئة تنظيم الاتصالات لأعاده بناء البنية الأساسية لشبكة الاتصالات القرى والتجمعات السكانية الريفية، وامداد المدن وتزويدهم بشبكة انترنت عالية السرعة ، لضمان حصول الجميع على فرص تعلم جيد ومتساوي، بالإضافة الى جهود قطاعات مختلفة كلا حسب اختصاصه في تقديم كل ما من شانه ان يدعم توجه أولياء الأمور والطلبة لتحقيق هذه الغاية ويسهم في تطوير العملية التعليمية ، وذلك من خلال تخصيص خبراء اتصالات رقمية ، وفرق دعم تدريبي، وتقني، وفني ، وتوفير طاقم إدارات وكوادر تدريسية مسخرة بشكل متواصل ومستمر وعلى وتيرة زمنية منظمة بدون حدود ، ومهيأة مهنيا ونفسيا وفكريا لاستيعاب عملية التعليم الالكتروني، والتعلم عن بعد ، وأمدادهم بكافة الأدوات والمواد المطلوبة، ومزودين بقوانين وسياسات واضحة داعمة للعملية التعليمية.
فكل ما تم تحقيقه وانجازه خلال هذا العام الدراسي الاستثنائي الفريد من نوعه، يستحق وقفة افتخار وتقدير، فتحية اجلال وامتنان وعرفان لكل من كان له جهد في إنجاح هذه التجربة المميزة من شركاء، وخبراء تكنلوجيا، واتصالات رقمية، ولكل الكوادر التربوية الذين أثبتوا تعاونهم وتفانيهم البناء، وسعيهم الدؤوب والمتواصل لتطوير مهاراتهم ذاتيا وبكل جدارة، لقد بذلتم الكثير ونشهد بأنكم حملتم ونقلتم الرسالة بأمانه، وكنتم جنودا مجندة مخلصه انرتم الطريق في اصعب الأوقات والظروف، وكنتم ومازلتم مثالاً لعطاء يتدفق بلا حدود لوطن ريادي، وجيل متميز
وشكرا لكل أولياء الأمور الذين تحملوا عبئ ان يكونوا بديلا للمعلمين رغم افتقارهم للمؤهلات اللازمة ولكل ابناءنا الطلبة، فحقا سعيتم وكان سعيكم مشكورا، فقد كنتم على قدر المسؤولية، ومصدر فخر واعتزاز فقد كسبنا معا الرهان وتخطينا أبرز المعوقات وبنينا معا بسواعدٍ من نور هذا الوطن الغالي حفظه الله وفقنا جميعا لخدمته





