د. محمود الوائلي يكتب عن محاكمة التعليم الإلكتروني

يرى د. محمود زهران الوائلي أن الحكم على التعليم الإلكتروني بالفشل لا يستقيم قبل توفير الإنترنت والأجهزة والمقررات التفاعلية، وتأهيل المعلمين والطلاب، ووضع سياسات واضحة.

د. محمود الوائلي يكتب عن محاكمة التعليم الإلكتروني
د. محمود الوائلي يكتب عن محاكمة التعليم الإلكتروني

د. محمود زهران الوائلي محاضر زائر بجامعة نزوى

الجائحة، العاصفة الهوجاء التي اقتلعت كثيرا من الأماني والظنون من الجذور، وأظهرت ثبات بعضها ورسوخها، وألهمت أصحاب القرار باتخاذ قرارات مصيرية، والميدان التربوي لم يكن بمنأى عن تلك التأثيرات التي تحض الجميع على إعادة التفكير والنظر في مختلف القضايا والشؤون.

لقد دفعت الجائحة مختلف المؤسسات التربوية إلى تبني خيارات لم تكن في الحسبان، خيارات مفاجئة مدفوعة بالرغبة في استمرار التعليم بأي شكل وبأي ثمن، مستندة إلى مقولة خالدة أطلقها باني النهضة الحديثة – طيب الله ثراه – نبراسا يرسم خارطة طريق واضحة، “علموا أولادكم ولو تحت ظل شجرة”، لكن هذه المرة، باستخدام التعليم الإلكتروني ذائع الصيت.

خلال الفترة الماضية، تلقيت كثيرا من رسائل الماجستير ومقترحات البحث الخاصة برسائل الدكتوراه وكذلك كثيرا من أدوات البحث والدراسة للتحكيم والمراجعة، تتعلق حول موضوع استخدام التعليم المدمج والتعليم الإلكتروني وآثاره على الكادر التدريسي والإداري وعلى الطلاب، وأسباب نجاحه أو إخفاقه وطرق تطبيقه وأساليب التغلب على تحدياته، وأيضا استغلال إيجابياته الاستغلال الأمثل.

لقد كثر الحديث عن التعليم الإلكتروني والتعليم عن بعد، حتى بدت هذه المفاهيم والمصطلحات حديث المجتمع والأسر في أي نقاش يدور فيما بينهم حول الجانب التعليمي لأبنائهم وبناتهم. لقد أصدر الكل بمن فيهم المؤسسات الحاضنة والراعية لهذا النوع من التعليم الآتي من أعماق المستقبل – والذي كان شبه مجهول بالنسبة للكثيرين – والمجتمع الذي عايش هذا النظام لحظة بلحظة، أحكاما تفاوتت بين النجاح والفشل، وهو أمر متوقع تجاه نظام تعليمي يرتدي عباءة غاية في الجدة والحداثة والغرابة بالنسبة للمجتمع. ومثل هذه المداولات والحوارات والنقاشات في شأن تعليمي بحت هي إحدى الظواهر الإيجابية التي تزيد من الوعي بغض النظر عن دقة تلك الأحكام. إلا أن الحكم بالنجاح والفشل على نظام تعليمي، أيا كان، ينبغي ألا يحدث جزافا، وإنما فقط إذا تم تطبيقه بما يتناسب مع مبادئه الأصيلة وأساسياته وأركانه.

لقد طالعتنا بعض الصحف العالمية بأحكام مجحفة في حق التعليم الإلكتروني مثل ما حدث في مقال هيلين مول الكاتبة في صحيفة واشنطن بوست والتي كتبت أن التعلم عن بعد هو بديل ضعيف عن التعليم الشخصي. إن الحكم على التعليم الإلكتروني أو التعليم عن بعد بالضعف أو الفشل وتحميله مسؤولية تدني المستوى التحصيلي أو مسؤولية محدودية تحقيق الأهداف التعليمية الموضوعة سواء من قبل المنظومة ككل أو من قبل المؤسسات التي تنتمي إليها هو أمر غير مقبول، وبعيد عن المنطق. ببساطة لأن التعليم الإلكتروني لم يتم تطبيقه بطريقة تضمن نجاحه بشكل متكامل، ولا تم استخدام أدواته وإمكاناته بطريقة صحيحة بحيث يتيح لنا الحكم عليه بالفشل. هناك جوانب ينبغي الالتفات لها قبل الحكم على التعليم عن بعد، أو حتى المدمج بالنجاح أو بالفشل.

إن توفر شبكة إنترنت قوية وبأسعار مناسبة لأفراد المجتمع باختلاف قدراتهم المادية، هو أمر جوهري وأساسي لنجاح أي تجربة إلكترونية تستهدف قطاع التربية، لا يمكن تصور نجاح التعليم الإلكتروني الذي يعتمد اعتمادا كبيرا على شبكة الإنترنت بدونها. إن ضعف شبكة الاتصالات وانعدامها في بعض الأحيان هو ما أدى بالضرورة إلى الحكم على التعلم الإلكتروني وكل ما يرتبط به من أنشطة وممارسات بالفشل. أضف لما سبق أن إحدى أهم الركائز التي يرتكز عليها التعليم الإلكتروني هو توفر الأجهزة المعينة على تحقيق التعليم وتنفيذه بالشكل المخطط له، وعدم توفر الأجهزة لا يؤثر سلبا على نجاح العملية التعليمية، بل يصيبها في مقتل كونه الأداة الأهم في التواصل بين المعلم والطالب.

لقد لاحظنا أن بعض الأسر لا تمتلك أجهزة بما فيه الكفاية لأبنائهم وبناتهم وهو ما أثر سلبا على تحصيلهم ومتابعتهم للدروس، فهل من المنطقي اتهام التعليم الإلكتروني بالفشل إذا كانت الشبكة ضعيفة وغالية التكلفة والأجهزة غير متوفرة؟
أيضا من المعلوم لدى المختصين بمثل هذا النوع من التعليم، أن أحد أهم أركانه هو تحويل المقرر الدراسي إلى صيغة إلكترونية تفاعلية تستطيع تعويض الطالب ولو بشكل محدود عن غياب المعلم، وتحويل المقرر لا يتلخص في تحويل الكتاب المدرسي من صيغته الورقية إلى صيغة إلكترونية تمكنه من قراءة الكتاب على جهاز الحاسب الآلي أو الجهاز المحمول، هذه إحدى العثرات التي طالما واجهها التعليم الإلكتروني كل ما قررت مؤسسة ما إلصاق اسمه بها!


إن المقرر الإلكتروني يفترض أن يوفر جانبا تفاعليا من قبل الطلاب ويضفي على المنهج الدراسي جاذبية ومتعة تساهم في اجتذاب الطالب نحو المادة وتساعده على فهم ما يشكل عليه، كما أن المقرر الإلكتروني التفاعلي يسهم في ترسيخ المعلومة لدى الطالب ويزرع فيه بذرة التعلم الذاتي. كيف يمكن الحكم على التعليم الإلكتروني بالفشل إذا كانت الكتب المستخدمة والمقررات تم تحويلها من صيغة ورقية إلى صيغة رقمية دون النظر إلى الجوانب الأخرى؟
في كتابه المعنون “التخطيط من أجل التغيير التعليمي: وضع الأفراد وأولوياتهم أولا”، أوضح مارتن ويدل أن الأفراد المستهدفين من أي تغيير، يأتون في قائمة الأولويات، لا يمكن لأي تغيير تربوي صغيرا أم كبيرا، أن يتم دون الالتفات إلى الأفراد المستهدفين من هذا التغيير.


من الضرورة بمكان أن يتم توعيتهم وتهيئتهم وتثقيفهم بجوهر التغيير وأهدافه وطرقه وآلياته، وتدريبهم إن لزم الأمر تدريبا يؤهلهم للعمل في ظل هذا التغيير. وإذا لم يكن الانتقال إلى التعليم عن بعد أثناء الجائحة تغييرا تربويا شاملا، فما هو التغيير إذا؟! إن التدريب الذي تم تنفيذه للمعلمين من مختلف المؤسسات التربوية يحتاج إلى تقييم إن كان قد حقق أهدافه المرجوة أم لا. هل تم التخطيط له بدقة بحيث يزود المعلمين بكافة المهارات والكفاءات الضرورية لمثل هذا الانتقال الجذري من نظام تعليمي إلى آخر، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أن هناك عددا من المعلمين لم يتم تأهيلهم من قبل على التعليم الإلكتروني وكان الأمر برمته مفاجأة لهم. أضف لذلك، هل تم توعية الطلاب على استخدام البرامج الإلكترونية الضرورية بما يضمن نجاح استخدامهم لها. المجتمع، من جهة أخرى، كان بحاجة لتثقيف وتوعية حول هذا النوع من التعليم والبرامج والأساليب المرتبطة به. صحيح أن الأمر تم في عجالة، وأن كل مؤسسة بذلت المستطاع، لكن هل يخولنا هذا أن نحكم على التعليم الإلكتروني بالفشل إن لم نكن قد مهدنا له الطريق؟

إن الأهداف التعليمية المرسومة في مختلف المؤسسات التعليمية والتي يقاس من خلالها مدى نجاح النظام التعليمي، لا يمكن فصلها عن سياقها الذي وضعت فيه، ولا شك أن مثل تلك الأهداف تحتاج الى إعادة صياغة لتتواكب مع التعليم الإلكتروني كنظام تعليمي مختلف، يستوعب طموحات وتطلعات المستقبل ويرتبط بمفرزات الثورة الصناعية الرابعة.

إن تبني التعليم عن بعد دون تغيير شامل وإعادة جدولة للأهداف الموضوعة نوعا وكما، قد ينتج عنه قصور في تحقيق تلك الأهداف كونها وضعت لسياق مختلف ووضع مختلف، فالهدف الذي يمكن تحقيقه في التعليم المباشر قد يتعذر تحقيقه عبر التعليم عن بعد والعكس صحيح. كيف يمكن الحكم على التعليم الإلكتروني بالفشل في تحقيق أهداف تعليمية وضعت تحت ظرف مختلف، وفي سياق مختلف؟!

إن هذه التجربة الثرية التي مررنا بها جميعا، كمؤسسات، ومعلمين، وطلاب، وأولياء أمور، يجب ألا تمر دون تقييم، ويجب أن ينتج عن هذا التقييم توجه وطني لوضع السياسات التي ينبغي أن يستظل بظلها التعليم الإلكتروني لتستأنس بها المؤسسات التربوية بمختلف مستوياتها، حتى تكون مرجعا مهما ومستندا هاما يؤطر العمل فيما يتعلق بتطبيق التعليم الإلكتروني. إن أهمية وضع سياسات مفصلة توضح دور المؤسسة ودور الطالب ودور المجتمع بوضوح هو أمر في غاية الأهمية بحيث لا يتم إلصاق مفهوم التعليم الإلكتروني دون مرجعية واضحة تتحلى بالمرونة. إن التعليم الإلكتروني نظام جاء ليبقى، وبالتالي فإن وضع الخطط والرؤى والسياسات التي تكفل بقاءه وتطبيقه بطريقة صحيحة تسهم في تحقيق أهدافه هو أمر في غاية الأهمية.

شارك هذا الخبر