هل الظاهرة الأسمنتية معيار للنمو والتقدم؟

رأى الكاتب في 2021 أن توسع البناء الأسمنتي في الخليج ارتبط بالنفط والسكان والمناقصات، وأن الحلول المقترحة تتطلب إعادة تخطيط المدن وتوظيف التقنية وإشراك المواطن.

هل الظاهرة الأسمنتية معيار للنمو والتقدم؟
Atheer - أثير

أثير- ناصر الحارثي

تزامن مع ظهور النفط في الخليج انتشار المباني الأسمنتية، ولا غرابة أن ينبهر أهالي الخليج بهذه الظاهرة، لا سيما وأن المباني الصلبة كانت من الطين ومكلفة وتقتصر على القصور والقلاع والأبراج، لذا انتشر البناء الأسمنتي في الخليج انتشار النار في الهشيم، وظهرت شركات الإنشاءات في كل بقعة ابتداء من أنشطة المقاولات وانتهاء بشركات حكومية تقدر قيمتها بمليارات الدولارات.

لم يكن تأثير هذا الحدث محدودا فقد أصبح انبهار أبناء البلد سواء في حلهم أو ترحالهم يقاس بحجم البناء الأسمنتي والذي أصبح بنظرهم المعيار الأساسي للنمو والتقدم، وهذا ما انعكس على عدة مستويات فظهرت القوانين التجارية الحكومية التي تدعم نشاط القطاع العقاري مقارنة بغيره من القطاعات، وظهرت الميزانيات المليونية والمناقصات الضخمة لتمويل الأنشطة العقارية، واتجه أصحاب المناصب والمال بكل قوة لتأسيس أنشطة ذات علاقة بالقطاع العقاري، ولأن الحواضر كانت في قمة البساطة وللحاجة الماسة لهذه الشركات أصبح الأمر مبررا، كما أن هذه الشركات تطورت مع وجود العوامل الرئيسية الثلاثة وهي إنتاج النفط وتزايد السكان والمناقصات الحكومية، واختارت الحكومات بدورها أسهل الحلول وأقلها حدة وهو الاستمرار ودعم هذا القطاعات “الإنتاجية” خشية الركود واللجوء إلى خيارات أصعب، لذلك تم رسم المخططات بما يتناسب مع استمرارية الشركات كسياسات الرفاه للمواطن وحق كل مواطن في امتلاك أرض، والترويج للقطاع السياحي وتأسيس مناطق جديدة سواء صناعية أو تجارية أو سكنية فيما انحسر نموذج القطاع الزراعي والمصانع الكبيرة، فاتجهت الحكومات إلى بناء مبانٍ وتسويرها بحدود كبيرة لكل مؤسسة وهيئة بداعي النظرة المستقبلية، فيما أصبح المواطن يضع كل أمواله في بناء منزل اسمنتي يحتوي على عدد كبير من الغرف بحجة الحاجة إليها في المستقبل.

تمتع هذه القطاع منذ بدايته بسيولة نقدية كبيرة إلا أن العجيب في الأمر تأخر دول الخليج في إعداد استراتيجيات مستدامة للتخطيط الحضري ولم تتبنَ أساليب تمكن من الاعتماد على أبناء البلد في العمل في هذا القطاع من خلال توظيف التقنيات الحديثة، ولم توجِد نماذج سكنية تتناسب مع البيئات الخليجية الزارعية أو الصحراوية أو الجبلية.

كان القطاع العقاري على امتداد عقود من القطاعات الاستثمارية ذات فائدة “ثنائي الأرقام” أي أكثر من 10% وكانت فرص التصحيح متاحة في أكثر من مرة، لكن الإشكال الأهم برأيي أننا تجاهلنا التكلفة التشغيلية لهذه المباني والمشاريع الأسمنتية وقدرتها على الاستدامة، فالبنيان وإن كان عظيما فهو أسهل من إحيائه والمحافظة عليه.

توجد دائما حلول وقد تكون الحلول سهلة أو جذرية وذلك تبعا لحجم استمرارنا في إعادة ارتكاب الأخطاء، وطبعا دول الخليج ليست في معزل عن العالم وتجاربه، فالانبهار الأسمنتي ظاهرة عالمية لذلك قام عدد من الدول بتصحيح أخطائها، وإنما التمايز في ظروف نشأتها وتكونها، وأعتقد أن إعادة التخطيط للمدن والحواضر، وأنماط الإنتاج في الدولة وأساليب الاستهلاك عند المواطن وتوظيف التقنيات الحديثة مع إيجاد حلول بيئية تتناسب مع طبيعتنا هي المحاور الأساسية عند تبني حلول جديدة، ولا يتحقق هذا بالتنظير بل بجلوس أصحاب الاختصاص والخبراء على طاولة واحدة وإيجاد حلول تنفيذية مع ضرورة إشراك المواطن فهو أساس التنمية.

شارك هذا الخبر