كيف تُسهم المؤسسات التعليمية في تنمية المحافظات؟

يتناول المقال إمكانات المؤسسات التعليمية في مساندة تنمية المحافظات عبر الخبرات والبحوث والشراكة المجتمعية، وربطها بأولويات رؤية عُمان 2040 والخطة الخمسية العاشرة.

كيف تُسهم المؤسسات التعليمية في تنمية المحافظات؟
Atheer - أثير

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

من منطلق الدور الذي يمثله التعليم في منظومة البناء الاجتماعي ومؤسساته باعتبارها مركز إشعاع مجتمعي لتعزيز الوعي وصناعة البدائل وإنتاج الحلول للمشكلات والتحديات المجتمعية، وترسيخ مفاهيم إيجابية تنقل المجتمع إلى مستويات عليا من الرقي الفكري وأفضل الممارسات الناجحة، والفهم المعمق لطبيعة الدور المطلوب من المواطن تحقيقه، ونظرا لما يمثله التعليم من حضور مجتمعي واسع سواء من خلال أعداد المؤسسات التعليمية المنتشرة في كل ولايات السلطنة ومحافظاتها، أو كذلك أعداد المنتسبين لهذه المؤسسات من أبناء المحافظات، والكادر الإداري والتدريسي والفني والطلبة والوظائف المساندة وغيرهم بما يمثلونه من رقم صعب له دلالاته في مجتمع المحافظات.
وما يمكن أن يقدمه التعليم كمنظومة من خلال مناهجه وأساليبه وأدواته، وامتلاكه للفرص والإمكانات والتوجهات التي تساند المحافظات في استشراف مستقبل التمكين والإدارة المحلية، في ترسيخ قناعة مجتمع المحافظات بمفاهيم التنمية ومصطلحاتها وتعميق فهمه بمتطلباتها واتجاهاتها، لتصبح حياته قائمة على تعميق مفهوم الانتماء للتنمية وإضافة التجديد فيها بلغته، وبما يعكس خصوصيته الوطنية ويستجيب لمحددات التطوير الذي رسمته له سياسات الدولة في ظل أولويات رؤية عمان 2040 ، والتي شكلت مدخلا مهما في فهم مقتضيات التحول المطلوبة في سلوك المواطن العماني نحو التنمية.
هذا الأمر يأخذ في الحسبان أيضا جملة الممكنات التعليمية، مثل الخبرات والمؤهلات العلمية والأكاديمية الواسعة التي تتميز بها مؤسسات التعليم في تنوع اختصاصاتها وتعدد برامجها، ونوعية المجتمع الوظيفي بما يمتلكه من خبرات وتجارب وبيئات تعليمية وتدريبية داعمة، في ظل ما تحتويه منظومة التعليم من مجموعة واسعة من التخصصات والفرص التعليمية ، الأمر الذي سيشكل فرصة لدعم جهود المحافظات خاصة فيما يتعلق بالبرامج ذات الصبغة التنموية والاجتماعية والإنتاجية والاقتصادية ، وبما يمكن أن تقدمه هذه المؤسسات من فرص للمشاركة بأفكارها ووجهات نظرها وخططها واستراتيجياتها المعززة لجهود المحافظات، كل ذلك وغيره يمثل ميزة تنافسية للتعليم ينبغي أن تستمر بالشكل الأفضل وأن يستفاد منها في رسم معالم التحول القادمة بالمحافظات باعتبارها بيوت خبرة وطنية تقدم أفكارها ومشروعاتها ودراساتها وتجاربها وبحوثها إلى المحافظات، وفق آليات عمل واضحة، وإستراتيجيات دقيقة، وتوأمة بين المؤسسات التعليمية والتدريبية على مستوى التخصص والاختصاص والنوع والمرحلة، في ظل وجود هذا التنوع التعليمي في كل المحافظات، وبالتالي ما يمكن أن تسهم به المؤسسات التعليمة في تقديم صورة مكبرة تؤسس لشراكة مستدامة بين قطاع التعليم بالمحافظة ومكتب المحافظ، في سبيل إنتاج البرامج والمبادرات المعززة لأنموذج الشراكة التعليمية المجتمعية وفق رؤية عمل مشتركة وخطة تنفيذية تهدف إلى رفع درجة الجاهزية التنفيذية والاستشعار الجمعي لأهمية الاستثمار في الموارد والفرص.
لقد شكّل المرسوم السلطاني رقم (101/2020) بإصدار نظام المحافظات والشؤون البلدية مرحلة مهمة في تعزيز الإدارة المحلية وتمكين المحافظات من الاستثمار في موارها وتشجيعها على إدارة هذه الموارد، حيث أشارت المادة ( 6) من المرسوم إلى اختصاصات المحافظات والتي جاء من بينها: تنمية واستثمار موارد المحافظة والترويج لها من أجل تحقيق التنمية المستدامة ، وإيجاد فرص عمل للمواطنين ، بالإضافة إلى العمل على الاستفادة من المقومات السياحية والتراثية المتاحة ، وكذلك العمل على استيفاء احتياجات المحافظة من المرافق العامة غير البلدية والخدمات الحكومية الأخرى ، وكذلك تنفيذ المشاريع الإنمائية وتذليل الصعوبات التي تواجهها وذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة.
ويبقى الرهان اليوم على دور المؤسسات التعليمية في ظل الفرص التنافسية التي يمكن أن تقدمها في تقديم أعمال الخبرة للمحافظات، ومساعدتها على توجيه بوصلة عملها واهتماماتها، عبر رفع مستويات التنسيق والتواصل والحوار بين كل الشركاء الفاعلين والمواطنين في رسم صورة العمل القادم بالمحافظات، وتحقيق أولويات الخطة الخمسية العاشرة والخطط الأخرى متوسطة المدى في سبيل وضع مبادرات رؤية عمان 2040 موضع التنفيذ، وهو الأمر بحاجة إلى تعميق مفهوم التوعية المجتمعية بخطوات العمل القادمة، وتوظيف المنصات التواصلية والاجتماعية .
فإن المؤمل من التعليم أن يقدم نموذجا واقعيا في طريقة تعاطيه مع هذه المتطلبات، من خلال احتواء الفكر الخلاق والكفاءة المجيدة وتوطين أفضل الممارسات التنموية، ويضع إطارا مرنا للشراكة الوالدية والمجتمعية يحدد خلالها طبيعة الممارسة المطلوبة لتثبت للتنمية وجودها وقوتها في ضمير المواطن وسلوكه، فإن التعليم هو الاجدر على إيصال هذه الصورة المتجددة وتعريف مجتمع المحافظة بها وخلق تناغم معها وتوفير مظلة اعتراف مجتمعية لما تقوم به المحافظة من جهود في سبيل تحقيق متطلبات برنامج تنمية المحافظات، وتعزيز دور الطلبة في المدارس والجامعات في سبيل اقتناع أولياء الأمور والأسر بالخطوات التي اتجهت إليها المحافظة في سبيل بناء خطتها التطويرية وتحديد الأجندة الخدمية والإنتاجية والتطويرية لها، وتصبح مشاركة التعليم في نقل صورة العمل القادم ضرورة للوصول إلى مختلف فئات المجتمع.
أخيرا، فإن أي توجهات قادمة على مستوى المحافظات يجب أن تأخذ في الاعتبار كل الفرص والنجاحات والتحديات والصعوبات، وتقرأ ما وراء الأحداث من تفاصيل دقيقة، بحيث تشكل جميعها بوصلة عمل تضعها المحافظة كضمانات لها للوصول إلى الأهداف المرجوة، وإيجاد بيئات حوارية وتوفير مسارات نقاشية في تحليل مجالات القوة والفرص والتحديات، وتصبح المؤسسات التعليمية بمثابة الحاضنة لهذه اللقاءات لضمان التأثير الفاعل لشرائح المجتمع في تقديم البدائل وإنتاج الحلول والوصول إلى نقاط عمل مشتركة تحدد أولويات كل ولاية واحتياجاتها والفرص المتاحة لها والأرصدة المتوفرة فيها، والصعوبات التي تواجهها، فإن من شان هذه التعددية في الآراء والشراكة في تقديم الأفكار والتنوع فيها وتعريضها لمواقف محاكاة وتقديم المسوحات واستطلاعات الراي، أن تقدم صورة مكبرة لنموذج وطني في تعزيز الإدارة المحلية ، وأن تسهم هذه الجهود مجتمعة في تقديم خطة تنفيذية مبتكرة للجهات المعنية حول خطة العمل القادمة في تنمية المحافظة، وفي كيفية استغلال المخصصات التي وجه جلالة السلطان المعظم برفع سقف المبالغ المخصصة فيها لبرنامج تنمية المحافظات من 10 ملايين ريال عماني إلى 20 مليون ريال عماني لكل محافظة خلال سنوات الخطة الخمسية العاشرة 2021- 2025 وابتداء من هذا العام 2022. فــ: هل سيعيد نظام المحافظات انتاج مسار الشراكة المجتمعية للتعليم، والاستفادة القصوى من مؤسساته في دعم القرار الداخلي في المحافظات وضبط مساره، في ظل منظومة الصلاحيات والحوافز الممنوحة للمحافظات في تعزيز كفاءة الإدارة المحلية؟




شارك هذا الخبر