ماذا يريد المعلم العماني في يومه السنوي؟

مقالة منشورة في فبراير 2022 ترى يوم المعلم محطة لتقييم واقعه، وتدعو المؤسسات إلى معالجة الترقيات والحقوق وبيئة العمل والعبء التدريسي بقواعد وخطط واضحة.

ماذا يريد المعلم العماني في يومه السنوي؟
ماذا يريد المعلم العماني في يومه السنوي؟

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

الرابع والعشرون من فبراير، يوم المعلم العماني ، محطة استراحة لتقييم الجهد الوطني المقدم نحو المعلم، وفرصة لرد الجميل للمعلم في عظم الرسالة التي يحملها والمنهج الذي يرسمه والأهداف الوطنية التي يحققها، ومساحة وطنية لمشاركة المعلم في الاحتفال بيومه السنوي، وما سطّره في تاريخ نهضة عمان الحديثة ومسيرة التعليم من نجاحات، وصنعه من إنجازات، ومارسه من قيم، كان لحضوره فيها نقطة تحول في المسيرة التعليمية، وإذا كانت الأمم والمجتمعات تقرأ في أيامها الماجدة ومناسباتها الوطنية مفخرة بما تحقق من إنجاز، واستحقاقات تعبر عن حجم الجهد وعظيم الأثر المتحقق منه، فإن الاحتفال بيوم المعلم العماني، يحمل في طياته معاني سامية، ومواقف عظيمه، وتجليات تبرز دور المعلم العماني على مر التأريخ، وتسجّل في الذاكرة الحضارية العمانية ما بذله المعلمون في سبيل بناء الأوطان، ووعي الإنسان، ونهضة القيم، وصون المبادئ، ولذلك كان الاحتفال بيوم المعلم محطة وطنية تلتئم فيها جهود مؤسسات الدولة ذات الصلة المباشرة وغير المباشرة والمواطنين حول المعلم، تقف على واقع عمل المعلم والمعطيات التي شكلت هذا الواقع، والتحديات التي باتت تنغّص على المعلم استدامة الجهود، وكفاءة الأداء، وتفعيل الأدوات، والفرص والنماذج التي تمثل خط سير للمعلم لاستشراف المستقبل، وتستفيد من الجهد الدولي والشراكات ومذكرات التفاهم والتواصل مع المنظمات والمكاتب الإقليمية والدولية المعنية بالتعليم في تعزيز المكانة الحقوقية والمهنية والوظيفية والادائية للمعلم ، والأثر المترتب على جاهزية هذه المسارات على المنظومة التعليمية عامة، وعلى دور المعلم بشكل خاص.

وبالتالي ما يمثله هذا اليوم التاريخي في الذاكرة التعليمية لسلطنة عمان من قيمة مضافة لحشد الجهود الوطنية المؤسسية والأسرية والاجتماعية والقطاعات الحكومية والخاصة على حد سواء نحو المعلم العماني، وتقريب الصورة الواقعية لتستشرف دور المعلم ومكانته في المجتمع، وما يحظى به من تقدير واعتراف مجتمعي، في ظل مرحلة متجددة تحمل الكثير من المعطيات والتحديات والظروف والمتغيرات والخصوصيات التي تستدعي تبنّي سيناريوهات جديدة ومنهجيات مبتكرة تتناسب وطبيعة التحول الحاصل في دور المعلم العماني والتوقعات منه في تحقيق أولويات رؤية عمان 2040، المتعلقة بالتعليم والإنسان والقيم والهوية والمهارات، وطبيعة الجهد المطلوب منه في ظل جائحة كورونا ( كوفيد19) والحالات الطارئة والأنواء المناخية التي تتعرض لها السلطنة، ، بما يضمن إعادة توظيف الفرص لصالح التعليم، وصناعة التوازنات في دور المعلم ورسالته السامية، وبقدر ما يحمله هذا اليوم من رسالة إلى المجتمع عامة ومؤسسات الدولة المعنية بالتعليم والمعلم خاصة بما يجب عليها من وقفات ومراجعات للسياسات والخطط والبرامج الموجهة نحو المعلم، وموقعه في منظومة التطوير والبناء والتحسين والإجادة والحقوق والحوافز والصلاحيات والامتيازات ، فإنها فرصة لضمان تقوية الإرادة الوطنية والعمل الجمعي المنظم نحو المعلم، من خلال الوقوف على قضاياه ومطالباته المشروعة، وحقوقه المكتسبة، ودراستها واتخاذ إجراءات ثابتة وفق مسار زمني واضح، تضمن فتح نوافذ الأمل والتفاؤلية بقادم مشرق يصنع للمعلم مدد العطاء ، ونهضة الإنجاز، ويستنطق فيه قيم الخيرية وأخلاقيات الإنسان، ويستنهض فيه العزيمة والإرادة، ويعزز فيه فرص الطموح والحدس بالتغيير، من أجل المحافظة على دور المعلم ومكانته ومكتسباته ، ومحطة لدراسة الجوانب النفسية والفكرية والمادية التي باتت تشكل شخصية المعلم في ظل احداث كونية ووطنية متسارعة.

وعليه يصبح الاحتفال بيوم المعلم العماني فرصة متجددة لتقديم عمل مبتكر ، يشعر فيه المعلم بالتقدير، وحرص المؤسسات على تشخيص واقعه، والوقوف على ما يريده المعلم العماني من واقع الممارسة التعليمية، في ظل مراجعة جادة لكل العوامل المؤثرة، وتفعيل الفرص الهامدة وإعادة انتاجها لتصب في خدمة رسالة التعليم ووظيفة المعلم ، وتبني سياسات عمل واضحة تتعاطي خلالها مؤسسات التعليم مع أولويات المعلم وطموحاته وتعبر عن إرادة التغيير التي تمتلكها في تصحيح الثغرات في ملف المعلم، وإيجاد حلول واقعية، وإنتاج بدائل عملية للكثير من التحديات والمنغصات التي تواجه فاعلية دور المعلم وتقف حجر عثرة امام تقدمه وعطائه، وبالتالي مستوى تفاعل هذه المؤسسات مجتمعة مع ما يطرحه المعلم عبر منصات التواصل الاجتماعي ، ومطالبات المعلمين بحقوقهم وترقياتهم وتحسين بيئة العمل، ومراعاة الظروف التي يعمل فيها المعلم، وتوفير الخدمات المساندة لعمل المعلم ، ثم إعادة قراءة الإنجازات التي تحققت للمعلم العماني على مختلف الأصعدة في مؤسسات الاعداد والتأهيل والخدمة ، أو كذلك من المؤسسات المعنية بالتشريعات والقوانين واللوائح والأنظمة التي يجب أن توفر القوانين التي تكفل حقوق المعلم، أو تلك الأخرى المعنية بمنظومة الحوافز والمكافآت والترقيات المالية، أو المؤسسات الإعلامية المعنية بنقل صوت المعلم وتلمس اتجاهاته وافكاره واحتضانها، ومنع كل ما يؤدي إلى المساس بحقوقه أو التقليل من بمكانته، بما يفتح نوافذ الامل للمعلم العماني لمستقبل أفضل يحمل الالهام ويحقق الطموح.

 

أخيرا، فإن ما يريده المعلم العماني اليوم يتجاوز التعبيرات الشكلية، والعبارات الرنانة، والشعارات البراقة، والكلمات المسترسلة ، والاحتفالات الوقتية، رغم أهميتها كاستحقاق وجوبي له، لكنها لا تكفي للتعبير عن هذا الدور ، ولا تكفي لتعبّر عن شرف الامتنان للمعلم، كما لا تكفي لتقديم صورة نموذجية واقعية لإنجازات المعلم العماني المتعاظمة، بل أن تتجه الجهود إلى سبر أعماق الواقع، وتقييم الجهد، والممكنات والمكاسب التي ستتحقق للمعلم العماني في الفترة القادمة، ومدى قرب جهود هذه المؤسسات من احتياجات المعلم العماني وطموحاته وقضاياه وتفاعلها الجاد مع مطالباته الحقوقية بالترقيات والحقوق الوظيفية وحقوق العمل والحوافز والمكافآت والعبء التدريسي، والصلاحيات والممكنات، والتقدير الاجتماعي له، وتحسين البرامج المقدمة للمعلم، ومراجعة عمليات النقل الداخلي والخارجي ، أو كذلك ما يمكن ان تقدمه مؤسسات الدولة المعنية فيما يتعلق بطوابير الانتظار من مخرجات التخصصات التربوية- الباحثين عن عمل- وإدماجهم في المدارس، وإعادة تقديم قانون التعليم إلى أجندة عمل الحكومة باعتباره الطريق لتحقيق غايات التعليم الكبرى وطموحات المعلم فيه، وبالتالي هل ستقرأ مؤسسات التعليم وغيرها من مؤسسات الجهاز الإداري للدولة ذات العلاقة في يوم المعلم العماني محطة للتصريح عن سياساتها وخططها وبرامجها ومبادرات القادمة للمعلم العماني، بحيث توجه الكلمات الرسمية وعبارات الشكر والثناء الشخصية والتعاطف مع المعلم في يومه السنوي بالوقوف على واقع المعلم وتشخيص أحداث التعليم والاعتراف بجوانب القصور في الجهد المؤسسي الموجه نحو المعلم العماني، واستجلاء هواجس المعلم بعين المسؤولية واقتحام المطبات الكاسرة لعطاء المعلم وتصحيحها بإرادة ماضية وعزيمة لا تلين تحمل روح التغيير الفعلي، تقديرا للعلم، واحتراما للمعلم، واستشعارا للرسالة التي يحملها، والأمانة التأريخية الإنسانية التي يؤديها في بناء عمان، وصناعة الانسان، وصون القيم والهوية والمبادئ ؟

شارك هذا الخبر