د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة
في عالم يموج بالصراعات الفكرية التي تتزايد يوما بعد يوم بفعل تراكمية المؤثرات الخارجية التي باتت توجه للنشء في سبيل تغريبه عن دينه وعقيدته وهويته ووطنه وإنسانيته، ومحاولة قطع كل خيوط التواصل وتجسير خطوط الالتقاء وروابطه التي تصله بربه في دينه وعقيدته ومبادئه وثوابته القيمية والأخلاقية ، ليعيش في حالة من التيه الفكري، والانسلاخ الأخلاقي، وتأثير الأشخاص، وضبابية المفاهيم، وسلب كل مدركات التميز لديه، ليجد في الأشخاص المؤثرين نماذج وقدوات له يبني عليها آماله وأحلامه، ويرسم بها طريق حياته وخارطة مستقبله.
لقد ارتبط بهذه الصراعات الفكرية دعوات تكفيرية وتحريضية وتنظيمات عالمية وإقليمية وغيرها استغلت حضور الشباب والمراهقين والطلبة من الجنسين في منصات التواصل الاجتماعي، وبما حملته الأخيرة من خصوصيات في التواصل الشخصي والتفاعل الفردي والجماهيري على حد سواء، الأمر الذي ساعد هذه التنظيمات في توجيه أهدافها الدنيئة وبث سمومها القاتلة، وحشد جهودها في استمالة النشء وتقريب الصورة لديه في نوع الحياة التي يريدها ويطمح إليها في هذه المرحلة العمرية من حياته والتي تعد من أصعب الفترات وأدقها وأخطرها لحاجة النشء فيها إلى من يقترب منه ويتواصل معه ويتفاعل مع أفكاره، ليجد الكثير منهم نفسه ضحية هذه المنصات التي بدأت تمارس دورها التغريري في تغريب النشء عن نفسه وإبعاده عن أولوياته واحتقاره لذاته ومحاولة إعادة التغيير في سبيل الانتقام من الواقع والتذمر من الحياة وإغلاق مساحات الأمل في العيش في ظلال القيم باعتبارها موجهات أسقطت عنه الإرادة والاقدام والتغيير.
في ظل هذه الأثناء وما تبعها من تدنٍ أو ضعف جانب الاحتواء الأبوي والمجتمعي وانحسار دور المؤسسات الدينية ودور العلماء والقائمين على الوعظ والإرشاد، أو الدور الرقابي والتوجيهي والاصلاحي الذي يتبناه المجتمع في تبصير النشء بواقعه وفهم التحديات التي تواجهه وإدراك الآليات والأساليب والأدوات التي يجب أن تكون قوة له في مواجهة ثورة الواقع المضللة وضلالاته المحيرة، وفي المقابل وجود من يتبنون الأفكار المتشددة تارة أو الأخرى التي تدعو النشء إلى الانحراف الفكري والتنمر المعرفي، وتزين له السوء، وتمجّد له الرذيلة، وتصور له الفاحشة والسلوك الدنيء كنوع من التحضر، والخروج من عباءة الأبوة، والاعتماد على النفس والثقة المطلقة بالذات في الاختيار والانتقاء وتحديد مجريات الأحداث والتصرفات في المواقف بدون الحاجة إلى الآخر كفرد أو منهج أو مبدأ أو قيمة ، أو دين أو ميثاق، وبدون الحاجة إلى تدخل ذلك كله، وتقرب له المفاهيم الداعمة للانحراف والميوعة والخلاعة وتصور له صور الضياع المختلفة ذكرا كان أم أنثى على أنها حق مكتسب له .
على أن ما رافق هذه الدعوات التحريضية ومنطلقاتها الفكرية التي بدأت في التشكيك في قيم الدين ومبادئه ومرتكزاته بشأن موقع الجنسين في العدل الإلهي والصورة الأخرى التي بدت تدب في فكر هذا النشء وهو يتعرض لهجمات الإلحاد والحركات النسوية والحركات المثلية وغيرها من صنوف الاستغلال الفكري للنشء، والتشوية الذي بات يسيء للشرف والكرامة والعفة والرجولة والأنوثة لإخراج النشء من موقعه كإنسان كرمه الله على مخلوقاته، بأن خلقه في أحسن تقويم، وبما منحه الله له من الريادة الكونية، ووهبه إياه من ميزة الفكر والعقل والروح والإنسانية، كل ذلك وغيره أسهم اليوم في إيجاد المزيد من الفجوة في حياة النشء ، لتتجه به إلى حالة من المزاجية وكثرة التغيير والغوغائية والحيرة وضعف التنظيم الذاتي والهشاشة النفسية، وعدم القدرة على التعامل مع الصدمات، وإسقاط ما يحدث في حياة الإنسان من شر أو ضعف أو مرض أو ألم أو فقر أو غيرها على أنها نوع من الإساءة له والسلطوية في حقه والتحكم في مكوناته- والعياذ بالله – وبالتالي الخروج عن سياق الواقع، والتفكير في ما وراء الطبيعة والكون، ومكونات الرجل والمرأة وما يفرضه واقع الفطرة البشرية من تمايزات أو تباينات أو اختلافات، هذه الأفكار التي وصلت للنشء ولم تجد تلكم الثقافة الدينية أو الحجة الفكرية التي يتلقاها النشء ، وجدها مروجو الفكر الهابط فرصة للنشء في التمرد على قيمه ومبادئه وأخلاقه وإنسانيته ووطنه وأسرته ووالديه، يأخذ من الدين ومبادئ الشرع وثوابته وأحكامه الشريعة الإسلامية ما يوافق هواه، ويتناسب مع رغباته الجامحة، ويلبي مطالبه الشخصية وأنانيته البشرية ونرجسيته وساديته ويترك منه ما يجد فيه بانه لا يحقق رغباته الشخصية أو يتنافى مع سلوكه وتصرفاته.
ولمّا كان النشء يعايش في مراحله حياته عوامل متعددة ومؤثرات متنوعة وبيئات متغايرة فيها من سلوكيات الكبار وتناقضات الحياة، ويتقمص بفطرته الكثير من الأفكار والقناعات والنماذج التي يتلقاها في بيئة التعليم والحي السكني والمحيط العائلي والاجتماعي، لتسهم جميعها إن أحسن توظيفها وأسهمت المنظومات التعليمية والمسجد وخطاب التفاعل اليومي في تشكيل شخصيته من خلال عمليات التواصل والعلاقات والتفاعلات التي تضمها هذه البيئات مجتمعة ، وما يرتبط بهذه التباينات والاختلافات أو التوافقات والمشتركات من نمو حركة التغيير الذاتي لدى الفرد ، من خلال التقليد وتقمص شخصيات الاخرين، وبروز دور المؤثرين في هذه البيئات والقادرين على رسم صورة ذهنية أخرى حول الفرد وأسرته ومجتمعه وواقعه، وبالتالي إن لم تلتفت المنظومات التعليمية والدينية والإعلامية لمثل هذه الممارسات وتراقب تطور هذه الأفكار، وتنزل من برجها العاجي إلى الواقع مع تمكين القائمين عليها وتمكنهم من إدراك مسؤولياتهم، سيكون لها تأثيرها السلبي في حياة النشء في عدم قدرته على التكيف مع طبيعة النشء واحتوائه، وتتخذ إجراءات وقائية استباقية في فهم شخصيات النشء والمدركات الحسية والفكرية لديهم والتأثيرات التي تواجههم ، واستقراء الاحداث التي باتت تتدخل في توجيه مدركاته الحسية والفكرية، وتوفير المساحات الفكرية التي تغذي عقله وقلبه من جهة أو تجيب عما يدور في تفكيره من تساؤلات وحوارات ونقاشات، إجابة كافية وافيه مقنعه وضامنه بتحقيق نتائج إيجابية على حياة النشء، ووضع النشء أمام مرحلة من المكاشفة والمصارحة وخلق روح الثقة والاطمئنان في الإفصاح عن كل ما يفكر فيه أو يتحدث به بما يقلل من ردود الفعل السلبية التي يتلقاها من النماذج الوهمية التي التصق بها عبر المنصات التواصلية والتنظيمات الالحادية أو تلك الحركات التحريضية النسوية وغيرها، إذا ما علمنا أن أصحاب هذه التنظيمات الفكرية يستهدفون زعزعة الثقة في والدية وأهل بيته وعدم الإفصاح عما يجري في حياته.
من هنا يأتي التأكيد على أهمية حوكمة هذا المسار بما يضامن تكامل جهود هذه المنظومات الثلاث في المجتمع، ووضع التشريعات وقواعد العمل لتعزيز خيوط التواصل مع الأبناء والتقارب الفكري معهم، وإيجاد ميثاق أخلاقي تلتزم فيه هذه المنظومات وغيرها بتفعيل أدوارها لحماية النشء والتفكير في بناء أدوات الاكتشاف والمتابعة والاستقصاء والاستقراء والتصحيح والتقييم والمعالجة في احتواء النشء وسد منابع التغرير الفكري وتمكين النشء عبر البرامج والممكنات من التعامل الواعي مع هذا المنصات، فهل سنشهد في قادم الوقت مراجعات وتقييمات جادة لدور المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية ؟





