د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
في مجلس الدولة
في خطاب حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم في الحادي عشر من يناير من عام 2022م بمناسبة توليه مقاليد الحكم في البلاد، جاءت إشارة واضحة من جلالته أعزه الله إلى المبادئ والقيم العمانية، كأحد أهم المرتكزات الوطنية التي تعمل السلطنة على تحقيقها في خططها التنموية وتجسيدها في رؤيتها الطموحة ” عمان 2040 ” و التي وضعت الهوية والمجتمع والإنسان أحد محاورها، حيث ورد في خطاب جلالته ” ونُهِيبُ بأبنائِنَا وبناتِنَا التمسُّكَ بالمبادئِ والقيمِ، التي كانت وستظلُ ركائزَ تاريخِنَا المجيدِ، فَلْنَعْتزّ بِهَوِيَتِنَا وجَوْهَرِ شخصيتِنَا، ولِنَنْفَتِحْ على العالَمِ، في توازنٍ ووضوحٍ، ونَتَفَاعَلْ معه بإيجابيةٍ، لا تُفْقِدُنا أصالتَنَا ولا تُنسينا هويتَنَا ” .
وفي السياق ذاته، جاء في حديث جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم أثناء لقائه بشيوخ ولايات محافظتي الداخلية والوسطى بحصن الشموخ في الرابع من يناير من عام 2022م، إشارة واضحة، حيث قال ” إن تربية الأبناء لا تتم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بل هي جزء من أصل المجتمع العماني، وأنه ” عندما يتشرب أبناؤنا عاداتنا وتقاليدنا والتمسك بالأسرة والمجتمع يتحقق نجاح المجتمع” ، كما أن “التقنيات الحديثة وُجدت لخدمة البشرية، لكننا مع الأسف نستغلها بطريقة سلبية جدًا، وقد أثّرت على النشء، ليس في بلدنا وحسب ولكن في جميع أنحاء العالم”.، ووجه جلالته أفراد المجتمع إلى المحافظة على “إرثنا وترابطنا الاجتماعي، وعلى تربية أبنائنا وبناتنا التربية الصالحة”
وبالتالي الدلالات التي يحملها النطق السامي لجلالة السلطان المعظم نحو التمسك بالمبادئ والقيم العمانية الأصيلة، كونها هاجسا وطنيا، تلقي بظلالها على سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية من جهة، ومنظوماتها التعليمية والإعلامية والدينية والفكرية والتربوية والأسرية في نقل التوجيه السامي إلى برنامج عمل وطني وإستراتيجيات أداء واضحة المعالم محددة الأدوات، في رسم ملامح هذا التوجيه السامي ووضعه موضع التنفيذ التام، وتجسيده في واقع حياة النشء.
على أن حديثنا عن التعليم ودوره في ترسيخ القيم العمانية الأصيلة ، لا يعني أنه وحده المعني بحمل هذه المسؤولية- وإن كان أكثرها- ، ذلك أن الانطلاقة من التعليم نابع من استحقاقات التعليم في النظام الأساسي للدولة بالمرسوم السلطاني رقم (6/2021) والذي جاء فيه ما يشير صراحة إلى هذه المهمة باعتباره مهمة أصيلة واختصاصًا أصيلًا في التعليم ، وفق ما أشارت إليه المادة (١٦) المبادئ الثقافية للدولة، حيث ورد ما نصه: ” التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية العمانية، والحفاظ على الهوية الوطنية، وتأصيل المنهج العلمي في التفكير، وتنمية المواهب، وتشجيع الابتكار، وترسيخ القيم الحضارية والروحية، وإرساء مفاهيم المواطنة والتسامح والتآلف” ، فإن المتأمل في بنية الخطاب السامي لجلالة السلطان في هذه الجزئية المتعلقة بالقيم العمانية، ومقاربتها مع المادة المشار إليها سلفا في النظام الأساسي للدولة، يدرك حجم الدور المعقود على التعليم في هذا الجانب.
ولما كانت المؤسسات التعليمية أحد أهم محاضن التربية ومؤسسات التنشئة تأثيرا في منظومة القيم، لذلك يعول على هذه المؤسسات أن تقوم بمبادرات جادة في التعاطي الواعي مع منظومة القيم العمانية، من خلال إعادة هيكلة القيم في مناهج التعليم وأنشطة الطلبة ومشروعاتهم وبرامجهم وخطط مؤسسات التعليم، وأجندة عملها، وتصحيح الممارسات الخاطئة، وإعادة تدريس منظومة القيم، بطريقة تضمن وصولها إلى الأجيال القادمة بسلاسة ومهنية، وإزالة كل التشوهات التي باتت تربط الالتزام بالقيم ، بممارسات وظواهر أخرى كالتشدد والرجعية والتقوقع على الذات وعدم الانفتاح على الآخر، وبالتالي كيف يمكن للتعليم أن يبرز هذه القيم في مواقف الحياة اليومية للطالب، ويجسدها في شخصيته وسماته، ويربطها بواقعه ، ويعكسها على جملة المواقف والظروف التي تحدث له، بحيث تصبح القيم الحص الحصين الذي يجنبه الوقوع في الممارسات الخاطئة أو الظواهر السلبية، والطريق الذي يستطيع من خلاله أن يسلك دروب التوفيق والقوة والإنجاز والممارسة المبتكرة ، وكيف يستفيد من العناصر المجتمعية الأخرى مثل، الأسرة والوالدين والأصدقاء والجيران وغيرهم في إيجاد صورة تكاملية تستنهض في النشء المبادئ والقيم العمانية الأصيلة، وتبني فيهم الآمال العريضة في مواجهة سلبيات الواقع، وحالة القلق واليأس والخوف والأوهام والشكوك وعدم الثقة والإحباطات التي يواجهها الطلبة في واقعهم .
وعليه فإننا نقرأ في التعليم اليوم مساحة قوة، والرهان الأكبر في المعادلة ، والذي تقع عليه مسؤولية صون هذه القيم والمحافظة عليها وإعادة إنتاجها، وتصحيح المفاهيم المرتبة بها وضبط مصادرها ، وصناعة القدوات التي تضع القيم معيار عملها، وتجسيدها في شخصية الطالب، وتتبعها في سلوكيات الطلبة، منذ السنوات الأولى وحتى انتهاء دراستهم الجامعية ، وجعل مؤسسات التعليم جميعها بلا استثناء بيئات مصغرة لتدريس القيم، وتجسيدها في واقع الحياة اليومية، وتعريض الطلبة خلالها للكثير من المواقف الحياتية التي تستدعي استنهاض القيم، وتتجلى خلالها سمات الشخصية العمانية، وبالتالي ما تؤسسه هذه المعطيات من تحولات يجب أن تعكسها الممارسة التعليمية وتصنعها مناهج التعليم، ويبرزها المعلم في الموقف التعليمي، ويجسدها الطالب في شخصيته والتزامه ، كما يتعامل مع أستاذ الجامعة في أخلاقيات البحث العلمي والتوثيق والاقتباس والاكتشاف وبراءات الاختراع، وفي طريقة توجيه الطلبة واحترام مدركاتهم الفكرية والنفسية والعقدية والحسية والمعنوية.
إن مسؤولية التعليم اليوم أن يؤطر هذه القيم ويصنع لها حضورها في برامجه وثقافة التعلم وبيئة الصف الدراسي والمدرسة وقاعة التدريس وحرم الجامعة، ويجسدها في واقع حياة الطلبة ، بأسلوب سهل، وآليات متقنة، وبرامج ذكية، ونماذج ومواقف حية، وأحداث متجددة، لتنتقل مع الطالب إلى المجتمع والأسرة وبيئة العمل والأسرة في أبهى صورة، وأصدق منهج، وأنصع ممارسة، ، فبقدر ما تجلت له القيم في سنوات الدراسة بقدر ما جسدها في واقعه، وبقدر ما كانت له القيم احتواء في مراحل تعليمه بقدر ما نسجت له خيوط التأثير والقوة في حياته المستقبلية، وبقدر التدريب والصقل والفهم والمراس للقيم في أيام الدراسة بقدر ما تشرّبتها شخصيته، وانعكست على مجريات حياته وأصبحت تسري في حياته، جريان الدم في العروق .
ويبقى التساؤل مطروحا: ماذا بعد النطق السامي المتضمن للقيم العمانية، هل سنشهد اتفاقا لمؤسسات التعليم مجتمعة في تقديم مبادرات جادة لبناء إطار عمل وطني للقيم، وفق خطط مدروسة وإستراتيجيات واضحة تحدد دور مختلف المؤثرين والفاعلين؟





