التواصل وتشكيل الهويات المجتمعية بين منصات التواصل الحديثة وتحديات المحتوى

يتتبع المقال مسار التواصل من التفاعل المباشر والتبادل التجاري إلى الإعلام والمنصات الرقمية، ويناقش أثر تدفق المحتوى في القيم والهوية وصورة المجتمع.

التواصل وتشكيل الهويات المجتمعية بين منصات التواصل الحديثة وتحديات المحتوى
التواصل وتشكيل الهويات المجتمعية بين منصات التواصل الحديثة وتحديات المحتوى

مسقط-أثير
إعداد: عبداللطيف المعمري


لعِبَ التواصل مُنذ القِدم على تشكيل الهويات المجتمعية بشكل واسع جداً، حيثُ كان التواصل البشري المباشر بين الناس مُنذ قديم الأزل قائماً على السِمات الشخصية والقيمية والمبادئ والأفكار وطُرق الحياة التي تتحلى بها مجموعة من الناس في حيز جغرافي معين تشكل السِمة والهوية التي تتميز بها تلك المجموعة من الأفراد في الحيز الجغرافي الذي كان على شكل القُرى والقبائل والأقوام على حسب التشكيلات المجتمعية في تلك الأزمان، وتطورت الهويات الجماعية من خلال بروز المحاصيل الزراعية التي تمتاز بها بقعة جغرافية عن أخرى نظراً للظروف الطبيعية في ذلك المكان، فأصبحت بعض الأقوام تمتاز بزراعة المحصول المُعين والأخرى تمتاز بمحصول آخر وهذا أدى إلى ارتباط الهوية بالمحاصيل المعينة لتلك البلاد عن أخرى، وبعد ذلك أدت وفرة المحاصيل إلى التبادل التجاري بين البُلدان والأقوام والدول في تلك الفترات والحقبات مما أدى إلى انتقال هذه الأفكار والمعتقدات والقيم وطرق الحياة من بلد إلى آخر وأصبحت تشكل هوية قوم عن آخر وبلد عن آخر حتى ظهور الحرف والمهن وغيرها من التفاصيل الثقافية والاجتماعية التي ميّزت وبرزت كل مجتمع عن الآخر.

مع مرور الأزمان تطورت عمليات التواصل بين الناس والمجتمعات التي كانت قائمة على عمليات التبادل التجاري والثقافي والاجتماعي وصولا إلى الثورة الصناعية والتقدم الرقمي والتكنولوجي وظهور وسائل الإعلام والتواصل وتطور التقنيات الحديثة التي أدت إلى سرعة وتوسع عمليات نشر الثقافات والأفكار والقيم والمبادئ والتوجهات المجتمعية عن طريق تلك الوسائل مثل الصحف والتلفاز والراديو والسينما وغيرها من الوسائل في تلك الفترات التي شكلت الهوية المجتمعية لتلك الدول التي سعت لتُري العالم من هي وما هي ثقافتها وأفكارها وما تجود به من تجارة وصناعة وفكر وكل ما يشكل هويتها الاجتماعية والثقافية والصناعية.

تطورت هذه الممارسات التواصلية إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن في زمننا هذا الذي يشهد السرعة الفائقة والأدوات التواصلية الكثيرة والمتعددة بين التقليدية والحديثة والرقمية التي أصبحت سهلة الوصول والتوغل في المجتمعات، حيث أنها في يد كل شخص في هذا العالم، وهذا الشخص قادر على أن يبث وينشر من بيته ما يشاء وما يريد على حسب الأطر العامة للنطاق الجغرافي الذي يعيش فيه، وأدى هذا إلى انتشار المحتوى الجيد والغير جيد بشكل سريع جداً مما أدى إلى فقدان التركيز وغياب التوجهات والتشتت العام للمتلقي حول ذلك النطاق الجغرافي، وحتى وصلنا إلى مراحل الصدام المؤسسي مع الصدام الفردي حول مواضيع معينة تمس تلك البقعة الجغرافية مما أدى إلى التنوع كما يراه البعض وإلى الاختلاف الصحي في الآراء و وجهات النظر كما يراه الآخر وكل أشكال الاختلاف والتوافق على هذه الفضاءات الرقمية مما أدى توجه المتلقي إلى هذه التجاذبات حتى أصبح جزءاً منها بشكل ارادي ولا ارادي وأصبح هذه الفرد يخوض ويتفق ويشجب وينتقد ويرد على هذا ويثني على ذاك إلى آخره من الأطر الحوارية و النقاشية المتاحة والمتوفرة وهذه الشي أدى بنا إلى فقدان الهوية التواصلية للمجتمعات، حيثُ أصبح ما يصدر وما يخرج منها للعالم هو صراعات داخلية قائمة على الاتفاق والاختلاف حول موضوعٍ ما وهذا الشي أصبح يشكل هوية تلك المجتمعات لأنه طغى على المركزات الرئيسية لهوية المجتمعات القائمة على القيم والمبادئ والأفكار والمقومات الثقافية والاجتماعية والصناعية والعلمية والمعرفية لتلك المجتمعات.

في خضم كل هذه التحديات في وقتنا الراهن، يجب أن يكون للمؤسسات الحكومية والخاصة والأفراد دور مهم في إعادة البوصلة وتوجيه وتكثيف عملها بشكل كبير على إبراز هذه المرتكزات الرئيسية المكونة للكيان المجتمعي مع التعاطي مع كافة المتغيرات الحديثة والتحلي بالمرونة الذكية في إدارة آلة التواصل المجتمعية الداخلية والخارجية لإبراز هوية المجتمع وما يجود به فكر وثقافة وقيم ومبادئ ومرتكزات ثقافية واجتماعية واقتصادية وغيرها من العناصر التي تود تلك المجتمعات إبرازها للعالم كهوية تمثل ذلك المجتمع.

إن دور مؤسسات الإعلام والتواصل اليوم أصبح أكبر من أن يكون دور ناقل للخبر والحدث والترويج الدعائي وإنما أصبح أكثر عمق في رسم سياسات وتوجهات الهوية المجتمعة لكل بلد بل أصبح في البعض منها المُحرك الرئيسي للبلد من خلال التواصل الداخلي والخارجي والمحتوى والعمل الكبير الذي تقوم به تلك البلدان وكذلك صناعة الهالة التواصلية الايجابية عن المجتمع التي تحفز الجميع على العمل والعطاء وتعزيز الجانب القيمي والمبادئ المجتمعية وتقوي المرتكزات الثقافية والاجتماعية والصناعية والعلمية والمعرفية، وتطرح القضايا والتحديات المجتمعية بقالب الطرح والحل وليس قالب التنظير وتضخيم المشاكل والتحديات من أجل إثارة الجدل لا من أجل الحلول المستدامة، وللأفراد كذلك دور كبير ومُكمل للعمل المؤسسي الضخم من خلال الشراكة والتفاعل مع كل هذه الجهود والعمل على إبراز ما نجود به من إيجابيات وكذلك التفاعل بكل عقلانية مع التحديات والقضايا المجتمعية.

ختاماً، يشكل التواصل دور كبير في صناعة الصورة والهوية المجتمعية لأي كيان فردي او مجتمعي وعلينا أن نبدأ في رسم هذه السياسات والخطط الاستراتيجية التي من شأنها أن ترسم صورةً مميزة عن كياناتها الاجتماعية وأفكارنا وثقافتنا ومرتكزاتنا الاقتصادية والعلمية والمعرفية لكل العالم بطريقة منظمة وسلسة تعكس ما نحن عليه الآن وما نطمح أن نكون عليه في المستقبل الذي نرى فيه الكثير من التفاؤل والعمل التعاوني الجاد ذي الأهداف الواضحة.

شارك هذا الخبر