أثير- د. راشد عيسى من الأردن
لم يفاجئني فوز قصيدة “أكتب كي أهزم موتي” للشاعر المصري “سامح محجوب”، بجائزة أثير للشعر العربي، فقد سبق أن أرسلها لي قبل شهرين من إعلان النتيجة ليستنير برأيي، فقلت له بإيجاز شديد: هذه قصيدة من عيون الشعر العربي المعاصر وتحمل بُعْدًا عالميًا كذلك.
عندما علمتُ بخبر فوزها انتابتني سعادة كبيرة سببها ابتهاجي بنزاهة التحكيم الذي ضمّ كما يبدو نخبة من الأدباء العارفين بأسرار الشعر وجمالياته وآفاق تحوّلاته. وانتابتني غبطة أخرى بأن المشهد الأدبي في سلطنة عُمان يحقق الآن إضافة نوعية وتجاوزًا جماليًا ملحوظًا في الإبداع الأدبي بعامة يزاد على ذلك أن “أثير” باتت تؤدي دورًا ثقافيًا لامعًا في الوسط العربي والعالمي كذلك.
أما رؤيتي في القصيدة فألخصّها بهذه القبسات المجازية: تحمل القصيدة بعدًا عالميًا في مسألة أن الشعر رسالة جمالية كونية، وأنه أجمل الفنون المعبّرة عن القلق المبدع وعن الثورة الروحانية في الفؤاد البشري، ففي القصيدة رغوتان، رغوة الفكر ورغوة الفن، فأما رغوة الفكر فتمثلت في الانتصار لمكابدات الإنسان وطموحاته المشروعة، وانتفاضته ضد الموت المجاني والحياة البائسة، فالشاعر يكتب كي يتحرر من العُقد، وكي لا يحزن عشق في مقهى، وكي يتأسى للضعفاء والمهمشين، وكي تسمعه الحبيبات وكي يرضي نشوة الشعور، وكي لا يقتل قابيل آخر هابيلاً آخر.. إلى غير ذلك من منظومة التسويغات الشاعرية المتمثلة بمفردة “كي” المتكررة ما يزيد على (15) مرة، وكأن عنوان القصيدة “كي” وهذه “الكيّات” تمثل بلا ريب جوهر الإجابة عن سؤال لماذا يكتب الشاعر ؟
وأما رغوة الفن فأقصد بها مثيرات الاستمتاع في البناء الفني في القصيدة، فتكرار كلمة “كي” منح النص عذوبة مكثفة من تصويت الكاف مع الياء الساكنة، يليها كلمة “أكتب” التي ضاعفت الشحنات الانفعالية لمغزى الكتابة الشعرية. وفوق كل ذلك تعددت القوافي الجزئية المتجددة، فأكسبت بنيان القصيدة رشاقة معمارية، بحيث بدت الانثيالات عفوية جارحة ذات إيلام لذيذ أحدثته المفارقة كقول الشاعر القديم [وحسبك داءً أن تصحّ وتسْلما]. جاء النص رقراقًا بانسيابية لا أثر فيها للتعقيد والغموض المغلق، وخاليًا من الشوائب والعوالق الباردة.
ظهرت القصيدة كأنها بيان إبداعي موجّه للخاصة والعامة، أو رسالة جمالية على لسان وظيفة الشعر بجنيّاته وربّاته وشياطينه.
كما نلاحظ أن خاتمة القصيدة تومئ إلى أسطورة الطوفان وفي ذلك إشارة ضمنية إلى أن طبيعة الشعر طبيعة تمردية ثائرة، فكانت هذه الإشارة تخصيبًا ذكيًا للمقصد الشعري الفطري منذ طفولته الأولى.
شكرًا لِـ “أثير” ولسامح محجوب في تعزيز شجاعة الشعرية الجديدة.





