أثير-د. رجب بن علي العويسي، خبير الدراسات الاجتماعية واللغوية في مجلس الدولة
في عالم مليء بالتحديات والمتغيرات والظروف والمنغصات والأفكار التي بات تنشط في حياة الطفل منذ نعومة أظافره ، وتتلقاها بيئة التعليم والتعلم بشكل أوسع نظرا لارتفاع سقف التفاعل الحاصل بين الطلبة وتنوع مكونات الصندوق ( الأسود) التعليمي بما فيه من تداخل في المشاعر والأفكار وتباين في المعلومات والاهتمامات والانطباعات في مجتمع الطلبة، الأمر الذي أسهم في تعدد الظواهر النفسية واتساع نطاق تأثيرها ومخاطرها على حياة المتعلم في هذه المرحلة العمرية ، وما نتج عنها من ارتفاع مستوى القلق والإحباط والانعزالية لدى الطفل منذ سنوات دراسته الأولى.
ونظرا لأن الطالب يقضي ثلث وقته اليومي تقريبا في المدرسة، الأمر الذي يتيح له تلقي الكثير من الأفكار أو الموجهات السلبية التي تؤثر على سلوكه اليومي ، لذلك كان الحديث عن مخاطر التساهل في التعامل مع الابعاد النفسية في حياة الطفل، مع ما يصاحب السلوك النفسي من تراكمات وقناعات سلبية على المدى البعيد كنتاج لعوامل متعددة داخلية تؤسس في سلوك المتعلم حالة من الشعور غير المريح في حياته ومواقفه وتعاملاته مع غيره، أو كذلك خارجية بات يقرا فيها مساحة من التهميش والإقصاء وحالة من العدوانية والانسحاب من الواقع والركون للذات.
من هنا لم يعد الاهتمام بمفاهيم الاحتواء والصحة النفسية حالة وقتية، بقدر ما هي خيار تعليمي يجب أن تتخذ المدارس حياله منهجيات عمل واضحة، وإستراتيجيات أداء حكيمة، وبرامج متخصصة تعمل على احتوائه وتتجه إلى إدارة هذا السلوك وتصحيحه ، كما لم يعد الهاجس النفسي في حياة الطالب في المدارس ظرف عرضي يمكن التساهل فيه بدون أي معالجة له أو وقوف على مقتضيات هذا السلوك، بل ضرورة ملحة لا تقبل التأجيل، وتستدعي توفير أطر وخيارات تعليمية جادة لمعطيات السلوك النفسي ومسبباته، والوقوف على تأثيراته على تعلم الطلبة وتحصيلهم الدراسي وتكيفهم مع الواقع التعليمي ، وتوفير الممكنات الشخصية والضمانات التعليمية القادرة على احتواء السلوك النفسي وإعادة انتاجه خاصة في ظل ما استجد عنها من ظواهر نفسية سلبية غير مألوفة وعادات غير مقبولة يتربع على رأسها ظواهر التنمر والانطوائية والانسحاب وفقدان الدافع نحو التعلم والخمول الفكري والنفسي للطلبة.
ومع الإشارة إلى ما تحقق في هذا الجانب في واقعنا التربوي بسلطنة عمان من وجود بعض الأخصائيين النفسيين في بعض مدارس الحلقة الثانية ومدارس التعليم ما بعد الأساسي، في إدراك لأهمية البعد النفسي في تشكيل شخصية المتعلم، إلا أن التأكيد على أهمية ان يشمل جميع المدارس أصبح ضرورة، فالطالب يحتاج إلى الاحتواء النفسي في مراحله الأولى أكثر من مراحلة المتأخرة التي يدخل فيها التوجيه المهني الوظيفي ومسلك شخصيتي الايجابية كبدائل احتواء مساندة، ليكون الطالب قد تشبع بالثوابت والأفكار النفسية الصحيحة التي تحدد طريقة تعامله مع السلوك النفسي مستقبلا، وعندما ينمو السلوك النفسي لدي الطالب وتتجذر في ذاته الخصائص النفسية الراقية والسمات النفسية ، ستكون داعمه له في حياته القادمة، لذلك تأتي أهمية أن تتبنى المدرسة خيارات وبدائل أوسع في رصد السلوك النفسي سواء في عمليات اكتشافه أو استقرائه في سلوك الطالب أو معالجته، من خلال برامج التوعية والتثقيف والتصحيح والتوسع في محفزات الذات وإدارة الانفعالات النفسية والتركيز على استثارة عادات الصحة النفسية وغيرها كثير.
ومع كل ذلك فإن الحاجة أكبر إلى تنشيط دور الأخصائيين النفسيين وتفعيل البرامج النفسية القادرة على تغيير الصورة النمطية للسلوك النفسي والمصطلحات والمفاهيم المغلوطة، التي قد لا تعطي صورة واضحة حول أعداد المستفيدين من الخدمات النفسية في المدارس نظرا للثقافة والقناعات السائدة حول الأشخاص الذين يتجهون إلى الأخصائيين النفسيين ، والشعور بشيء من الخجل أو النقص عند الحديث عن السلوك النفسي، لذلك كانت الحاجة إلى أن تنتقل خدمات الصحة النفسية للطالب في المدارس وغيرها من كونها خدمة تقدم للشخص ( المريض نفسيا) أو الذي يعاني من مشكلات نفسية واضطرابات سلوكية ، إلى كونها محفزات نفسيه لتصحيح بعض الهواجس والثغرات والقناعات السلبية النفسية لدى الطالب حول ذاته وقدراته واستعداداته و سلامه الداخلي واسقاطاته وأحكامه على الآخرين من طلبة ومعلمين ( كأن يقرأ في جانب المنافسة والتحصيل الدراسي نوع من التحيز نحو الاخر الخ) وتصبح الخدمة النفسية المقدمة من الأخصائي النفسي محفزات لتعزيز الصحة النفسية وترقية حضورها في حياة المتعلم وظروفه ، فالصحة النفسية مساحة أمان وقائية لترقية نوازع الطالب النفسية وتجلياتها في المواقف ، وأنماط حياتية راقية يحتاجها الطالب في كل وقت ليبني عليها قناعاته، ويصحح هواجسه وأفكاره ويرسم مستقبله، وخارطة طريقة له يوجه بوصلة اهتماماته القادمة لتحقيق أولوياته التعليمية، ووقاية له من ردّات الفعل السلبية والصدمات النفسية التي تؤثر في مستقبله التعليمي، فيتجه إلى الصحة النفسية ممارسة يومية اصيلة من خلال بعض التمارين والعادات والأساليب المناسبة ، وعندها تنمو في حياة الطالب صورة أخرى للعمل النفسي والقائمين عليه والمترددين على غرفة الاخصائي النفسي، فهم ليسوا مرضى نفسيين ، بل هم أصحاء نفسيين، يصنعون لصحتهم النفسية حضورا أقوى في حياتهم، ويبنون على سلامهم الداخلي وتواصلهم مع ذوي الاختصاص فرص أكبر لصناعة الفارق.
أخيرا، نعتقد بأهمية إعادة رسم ملامح الصحة النفسية في حياة الطالب ، منذ نعومة أظفاره ، لتشكل مع الصحة الجسدية ثنائيا مهما في تكوينه التعليمي، وإنتاج التوازنات في شخصيته الاجتماعية ، مدرك لمسؤولياته، واع لتصرفاته، يحدد احتياجاته، ويتخذ قراره، ويقف على خياراته واختياراته بناء على معطيات ومسوغات، كما يدرك حقوق والديه وغيرهم ، فإن الكثير من حالات الصراخ الحاصل بين الطفل ووالديه وعدم تقبله للأوامر والزواجر، إنما يرجع إلى الافتقار إلى مفهوم دقيق للصحة النفسية في حياة الطالب، وتبقى كفاءة الاحتواء النفسي في بيئة التعلم لها أثرها الايجابي في تنشيط حركة التعلم لدى الطالب وتقبله وتكيفه مع الكثير من المتغيرات، وقدرته على المواجهة بدلا من الانسحاب لمجرد تعرضه لأبسط المواقف والظروف ليتجه إلى البكاء أو الانفعال أو الانعزال وغيره ، وفي تقديرنا الشخصي بان الكثير من الصدمات النفسية التي يتعرض الطالب مثل: الابتزاز الالكتروني والتحرش الجنسي والاحتيال والتنمّر سببها لغة الانسحاب والخوف من المواجهة ، إذ أن هذه المعطيات بحاجة إلى جرأة يتعلمها الطالب لتبدأ من اقتناعه بأن ما يفصح به أمام الأخصائي النفسي جزء من حل المشكلة، إذ بقائها في دائرته المغلقة سوف يزيد من ردات الفعل السلبية والتراكمات النفسية.






