أثير- عبدالرزّاق الربيعي
لم أكن أعرف المخرج والكاتب محمد بن سهيل المهندس اليافعي، الذي غادر عالمنا الضيّق، اليوم، إلى رحمة الله الواسعة، قبل مهرجان المسرح العماني الأول الذي أقامته وزارة الثقافة والرياضة والشباب عام 2004 م، إذ أوكلت لي إدارة المهرجان التعقيب على مسرحيّته (شجرة الهيل) التي كتبها وأخرجها وقدمتها الفرقة التي يترأسها ( فرقة ظفار المسرحية)، في الجلسة التطبيقية التي أعقبت العرض مباشرة، وكان النص قد وصلني قبل بدء المهرجان، وقبل العرض بساعات طلبت الإذن بدخول القاعة والاطلاع على أجواء العرض فسمح لي، فدخلت ورأيت شابا في بداية العشرينيات من عمره يتوسط المسرح، ويملي على الممثلين الذين تجاوز عددهم العشرين، وكان أصغرهم سنا، فينفذونها، بحذافيرها، وحين انتبه لدخولي نزل من الخشبة مرحّبا، بابتسامته الخجولة، وروحه الجميلة، التي تسكن جسده النحيف، وكان ذلك اللقاء مقدمة لصداقة عميقة امتدّت منذ ذلك اليوم ولغاية يوم أمس حين وصلتني منه الرسالة الأخيرة المغلّفة ببركات يوم الجمعة، وفي الجلسة التي أدارها الشيخ محمد المسروري، أشرت إلى أن ما لفت نظري في العرض توظيف الموروثات الشعبية ، فالنص استند إلى كلمات من المأثور الشعبي هي :
“شجرة الهيل مغروسة على راس وادي
يوم ثمرت خربوها عيال الشياطين”
وكانت هي الشرارة التي نسج المهندس عليها أحداث مسرحيته، في تجربة حاول من خلالها تقديم فرجة مسرحية ورسم مشهدية بصرية معرّفا بتلك الموروثات التي تشتهر بها السلطنة عموما ومحافظة ظفار بشكل خاص، وبعد انتهائي من تقديم الورقة فتح المسروري باب النقاش، فتحدّث الناقد البحريني يوسف حمدان المعروف عنه صراحته، بما لا يسرّ فريق العمل، وزاد من سخونة الأجواء أنّ الناقد الراحل نادر قنه تفوّه بجمل وعبارات اعتبرها المهندس جارحة، وهنا انبريت للدفاع عن العرض مذكّرا النقّاد والحضور بأن العرض تجربة شابة ينبغي محاورتها بهدوء وتجنب الألفاظ المحبطة، والأحكام السريعة، وأيّدني الشيخ المسروري، فتغيرت دفة الحديث، وظلّ المهندس يحفظ لي هذا الصنيع الذي جعله يحفّز روح التحدّي، ويضاعف الجهود، ليعود في الدورة الثانية من المهرجان بعرض كان أكثر نضوجا، حمل عنوان(القلم والبندقيّة) أشاد به النقاد، أعطاه حافزا جديدا، وطموحا لدخول دائرة المنافسة، وفي الدورة الثالثة للمهرجان اختار نصّي(ذات صباح معتم) فأبعد عنه المشاركة مؤلّفا وأوكل مهمة الإخراج للفنان طالب كحيلان، فيما اكتفى بدور الإشراف العام، وجاء إلى مسقط بنيّة الفوز بأحد المراكز، وبالفعل قدّم عرضا صفّق له الجمهور طويلا، ولكنّ (النحس) تكرّر مع المهندس، فلم ينل ما كان يتمنّاه، وخرج من الحمّص بلا طحين، فشعر بالإحباط، وقرّر عدم المشاركة في المهندس، وذكر هذا في رسالة وجهها لأحد المسؤولين في الوزارة، كما أخبرني، ولم يستسلم للحزن والانكسار، بل واصل مشواره الفنّي، وشارك بمسرحيّتنا (ذات صباح معتم) في مهرجان الجزائر المسرحي الدولي الذي أقيم في أكتوبر من العام 2010 ومثّلت دور البطولة الفنانة سميرة الوهيبية، ولم أتمكن من حضوره بسبب تأخر وصول التأشيرة، ثمّ أعاد تقديمه في مهرجان المسرح الأردني عام20011، وجاء بإمضاء المخرج د. مرشد راقي اليافعي، ثم شارك في فعاليات المهرجان الربيعي الدولي لمسرح الطفل بالناظور بالمغرب بعرض “مملكة الأشرار” وهي من تأليفه وإخراجه، فنال جائزة أفضل سينوغرافيا، وجائزة أفضل ممثل التي كانت من نصيب الفنان ياسر عاشور بو خان، كما شاركت المسرحية في مهرجان أصيلة الدولي لمسرح الطفل في المملكة المغربية في دورته الحادية عشرة 2011 وفازت بجائزة أفضل عرض متكامل وأفضل سينوعرافيا وشارك في مهرجان المسرح الشعبي العماني الذي نظّمته (الجمعية العمانية للمسرح) في جامعة السلطان قابوس 2011 ونال المركز الثاني كأفضل عرض، وجائزة أفضل ممثل دور أول ودور ثان وديكور وأزياء، أعقبها بتقديم مسرحية تلفزيونية ضمن برنامج (براويز) ضمن برامج شهر رمضان عام 20011، وكانت مشاركات الفرقة في هذا العام هي الأعلى، وتوّجت أنشطتها بتنظيمها مهرجان ظفار المسرحي الأول عام 2014م .

وواصل الراحل اشتغالاته في خدمة المسرح العماني حتى اختير مع المخرج يوسف البلوشي عام 2009 ليكون ضمن اللجنة الدائمة لمهرجان المسرح الخليجي بالأمانة العامة لمجلس التعاون ممثّلين للسلطنة على مدى سنتين، كما أنه كان عضوا في لجنة فحص النصوص المسرحية، إضافة إلى عمله كمشرف إداري بدائرة مهرجان صلالة ببلدية ظفار، وكان يخطّط لتكريمنا برفقة الكاتبة د. آمنة الربيع، في فعالية يطلق عليها اسم(مهرجان الربيع) يجري خلالها تقديم أحد نصوص الكاتبة ونص لي، إلى جانب مشاريع أخرى، لكنّ القدر لم يمهله، فعاجله وهو في ريعان عطائه.
وعلى حدّ قول الشاعر:
تلك آثارنا تدلّ علينا
فانظروا بعدنا إلى الآثار
غادرنا المهندس وبقيت آثاره الفنية في المسرح تدلّ عليه، تشهد بعطائه وتضوع بعطره كشجرة هيل “مغروسة على رأس وادٍ “





