أقبل علينا الشتاء، فأين ستتجه عصا ترحالكم ببلادنا الباذخة في الجمال؟

مقال من نوفمبر 2022 يستحضر موسم الترحال الشتوي في عمان، ويروي الوصول الشاق إلى قرية يصب عبر وادي السحتن، مع تأمل أسماء الأمكنة وصلتها بالجغرافيا.

أقبل علينا الشتاء، فأين ستتجه عصا ترحالكم ببلادنا الباذخة في الجمال؟
أقبل علينا الشتاء، فأين ستتجه عصا ترحالكم ببلادنا الباذخة في الجمال؟

أثير- محمد بن علي الوهيبي، كاتب عماني

يقبل شتاؤنا الذي يشبه الربيع في نسماته فتسري في شرايين الروح وخلجات النفس فكرة الترحل في أودية بلادنا بين جبالها وأشجارها وظِلالها، لاستعادة ما بعثره صيفنا اللاهب، وضجيج الحياة بحثًا عن اللحظات التي تسحر الوجدان وتبعث الانسجام والطمأنينة.
نحمل عصا الترحال لنسافر إلى تلك الدروب والمسالك التي تحيا بالمطر فالترحل والسياحة بدءًا من هذه الأيام وحتى نهاية شهر مارس ربما يكون من أثمن الأرصدة التي تضاف إلى الحياة حسب أجواء بلادنا، ونستثني محافظة ظفار والأماكن المتأثرة بفصل الخريف والجبل الأخضر وجبل شمس وجبل السراة وهاط فيمكنك زيارتها في كل الأوقات.
سأشعل فتيل ذاكرة التجوال في جسد وطننا الشاسع التي كم وكم أخذتنا إلى أماكن وأسماء توحي لك بأن الانتظار والتأمل فيها لا يقتل ساعة الوقت ويصبح كل شيء فيك في حالة فضول لا ينتهي بحثًا عن أسرار الحكاية التي تلوذ بالمكان ولا يسعفها الكلام.


كثيرة ومختلفة هي المواقع الجميلة في هذا الوطن المنغرسة برماح المحبة في أعماق القلب تسحرك بدروبها رغم مشقة تضاريسها وجغرافيتها فتبقى بعض أوقاتها في خلايا التذكار تستدعيها عند كل حنين، رفيق الرحلة، الطريق وكيفية الوصول إلى الوجهة المقصودة، أغاني عبد الكريم عبد القادر وأبو بكر سالم، الطيور التي تحلق فوق سيارتك إلى بعض المسافات، الأشجار التي تصادفك في الطريق، رائحة المكان، المحطات التي تستوقفك.

أقبل علينا الشتاء، فأين ستتجه عصا ترحالكم ببلادنا الباذخة في الجمال؟
أقبل علينا الشتاء، فأين ستتجه عصا ترحالكم ببلادنا الباذخة في الجمال؟

أقبل علينا الشتاء، فأين ستتجه عصا ترحالكم ببلادنا الباذخة في الجمال؟
أقبل علينا الشتاء، فأين ستتجه عصا ترحالكم ببلادنا الباذخة في الجمال؟


وفي جنوب الباطنة تسحبك الأعالي إلى قرية يصب الجبلية بولاية الرستاق بعد أن تجتاز شيئًا يسيرًا من وادي بني عوف لتتجه بعدها يمينًا جهة وادي السحتن لتعبره ثم تصعد في طريق غير معبد وعر وكؤود وشاق جدًا جدًا يكاد يكفي هذا المعَبر لمرور سيارة واحدة فقط ولابد أن تكون رباعية الدفع ومن اللازم أن يقودها سائق متمرس ومحنك بتلك الدروب.
يُعد هذا الطريق الجبلي من أصعب الطرق في البلاد، ولم أر طريقا شَكِسا وشاقا مثله في بلادنا، ومن المحتمل بأن يكون اسم القرية استل من المشقة والتعب والوصب والصعوبة في الارتقاء إلى مقصدك، لكنك ما إن تبلغ تلك اليصب الساكنة في الأعالي عسيرة المنال، حتمًا ستشعر بالابتهاج وستنسى كل تعب وإنهاك بعد أن تنتعش بالأجواء وتملأ رئتيك بذاك الهواء والنسيم العليل بين أشجار الرمان والتين والعنب، جدير بالذكر بأنه يوجد ممر جبلي يربط يصب بجبل السراة يرتاده الأهالي سيرا على الأقدام أو على الدواب في التنقل بينهما.
ولابد من الإشارة إلى أن عُماننا الجميلة تزهر بكنوزها من الأسماء التي تأسر الألباب بجمالياتها وبمسميات اتخذتها من لغات مختلفة جمعتها عبر الزمان وغرستها في أعماقنا وسأستعرض بعض ما حضرني من الأسماء لحظة كتابة هذه السطور:
كمزار، ليما، مرسود، الشصر، توسنات، بيثنه، ذهبان، ذهبون، محويس، الأحقاف، هرويب، ديم، حدبين، سدح، حاسك، صومرة، الشويمية، الظفرات، العيون، صرفيت، فتخيت، كيبوت، رخيوت، ضلكوت، هندروت، جحلوت.



أختم مقالي عبر “أثير” بمقولة الجغرافي العربي المجهول جمال حمدان:
“لا ثقافة بلا جغرافيا .. لا سياسة بلا جغرافيا .. لا تاريخ بلا جغرافيا .. لا عمران بلا جغرافيا .. لا اقتصاد بلا جغرافيا”


شارك هذا الخبر