الروائي الأردني جلال برجس يكتب لـ “أثير”: إطلالة على الذاكرة

نص يستعيد فيه جلال برجس ثمانية عشر عاما في الصحراء، وتأثير الذاكرة في كتابته، ولحظة تقديم أوراقه إلى مجلة أفكار، ثم فرح والديه بنشر قصيدته.

الروائي الأردني جلال برجس يكتب لـ “أثير”: إطلالة على الذاكرة
Atheer - أثير

أثير- الروائي الأردني جلال برجس

في الصحراء التي عشت فيها لثمانية عشر عامًا كتبت الشعر أتوسل الأشجار، والينابيع، والظهيرات الرائقة أن تقف ضد الهجير، وسحب الغبار. وحين غادرتها فوجئت بها تتبعني. لقد كانت ذاكرتي وفية لتلك السنين على نحو غريب يخالف توقي لعوالم جديدة، وسعادتي الكبيرة بأن صار لي أن يطل رأسي من عتمة التواري، وأهمس ناطقًا بكلمات خبأتها سنين؛ فأعلن عني كاتبًا أمضى زمنًا يعكف على ورقة يرسم فيها بابًا يحلم بتجاوزه. تتبعني الصحراء بمزاجها المتقلب، ويتبعني حدس أن هناك أشياء يصعب أن نقصيها من طرقنا، واقع أبدي يبدو القفز عنه هو الحل الوحيد الذي تقدمه لنا الحياة. قبلت بالصحراء رفيقة لي وأنا أتقلب في زحام المدن، أفكر بالكتابة، والفرصة سانحة قبالتي: ما الذي يعنيه أن تخطو نحو القارئ وتمد يدك إليه بورقة فيها كلمتك؟ يبدو الأمر كأنك تمشي إليه عاريًا تتوكأ على عصا حقيقتك البيضاء! أم أنك تشير إلى مساحة فيما كتبت ربما يريح رأسه عليها، ويمضي معك بالحلم؟ أنهم يقرأون ليطمروا الجرح بغبار الكلمات. إنهم يقرأون لأجل نافذة تطل على بحيرة لا تطالها كائنات القلق. يقرأون لعلهم يعثرون على كتف مواس يجيء لهم بإغفاءة لذيذة. يفعلون ذلك سعيًا إلى نور يهد كتف الظلمة. كانت خطوة صعبة، بل قرارًا فيه الكثير من التلكؤ في الذهاب للاعتراف بخطيئة ستكرر. أتذكر ذلك اليوم الذي رافقني فيه الشاعر حاكم عقرباوي إلى مكتب (أفكار) مجلة كان يديرها الشاعر محمد سلام جميعان. بتردد ألقيت على طاولته عددًا من الأوراق. قرأ الصفحة الأولى، وحدق بي، ثم راح يقرأ بصوت خفيض: الريح خارج غرفتي تعوي، كطفل أضاع الجهات وأقعى ينتحب. تساءل مستغربًا: أين كنتَ كل تلك السنين؟
تذكرت تلك الليلة الصحراوية التي هُزم فيها التيار الكهربائي أمام عاصفة كثيرة الريح، والغبار، والبرد القارص. كنت في غرفتي أصارع العتمة بشمعة تهز الريح المتسللة من ثقوب في أطراف النافذة شعلتها؛ فترتسم على الجدار كائنات تشبه نساء ينحن وراء جنازة تشيع فارسًا راح ضحية للمكيدة. كان ذلك في أحد أيام نهايات الأسبوع، لا أحد في الثكنة غيري، بلا سجائر، ولا قهوة. تحيط بي طيور الوحشة، وتخدش روحي مخالب الكآبة. استلقيت أتوسل أحصنة النوم أن تأتي وتهرب بي إلى مدن مساءاتها عامرة بالسكون. من خارج الغرفة كان نواح الريح يحز روحي بسكينه الحاد، فرحت أكتب ما بي على الجدار.
عدة ضربات من يده على الطاولة أخرجتني من سهوي؛ فأخذت أنظر إليه وهو يعيد عليَّ سؤاله: سؤال قصير يستلزم إجابة بحجم الصحراء التي عشت فيها ثمانية عشر عامًا.
يوم صدرت المجلة وفيها قصيدتي أصبت ببهجة من اجتاز سيلًا جارفًا فنجا. جلست قبالة أبي وأشرعت المجلة على الصفحة التي يعلوها اسمي. قرأ، ثم نظر بي ممتدحًا ما فعلته بابتسامة طفيفة وكلمة خاطفة. كان فرحًا رغم عجزه عن التعبير في هكذا مواقف؛ إذ اكتفي بكلمات قليلة صادقة. كانت أمي يومها تعد طعام الغداء حينما وقفت قربها وقرأت لها بتلذذ ما كتبت. بقيت عيناها الدامعتين تتفرسان وجهي كمن يتأكد من ملامح عائد من البعيد. حينما انتهيت جففتْ يديها، ولامست المجلة، ثم قبلتني على خديّ. كانت كلماتي مرتبكة، تتعثر بصوتها الباكي وهي تمتدح ما فعلت.



شارك هذا الخبر