ناقد مصري يُقدِّم قراءة نقديّة في روايات الكاتبة العمانية هدى حمد

عرض نشر في ديسمبر 2022 لدراسة «قراءة نقدية في روايات هدى حمد»، متتبعا بواعث التحول الدرامي وأثره في الشخصيات النسائية والبنية السردية والموضوعات الإنسانية.

ناقد مصري يُقدِّم قراءة نقديّة في روايات الكاتبة العمانية هدى حمد
ناقد مصري يُقدِّم قراءة نقديّة في روايات الكاتبة العمانية هدى حمد

أثير- مكتب أثير في القاهرة
إعداد: محمد الحمامصي


أعمال الكاتبة العمانية هدى الحمد الروائية كانت محل الدراسة النقدية المهمة للناقد المصري د.محمد محمود حسين هندي، والصادرة أخيرا عن دار فكرة كوم الجزائرية تحت عنوان “قراءة نقديّة في روايات هدى حمد”، حيث توقفت بالتحليل مع رواياتها: “الأشياء ليست في أماكنها”، و”التي تعد السلالم” و”سندرلات مسقط”، و”لا يُذكَرون في مَجاز”.

يرى هندي أن هدى حمد حاولت عبر متخيلها السردي إقناع قارئها بأنه أمام كتابة روائية حرة تتأسس على مبدأ تغيير الصورة النمطية للكتابة النسائية، خصوصا تلك التي تحصر قضيتها في الانتصار للأنا الأنثوية في علاقتها بالأنا الذكورية، إنما في هذه الكتابة الحرة هناك صورة مجتمع تتشكل من خلال وعي كل من الرجل والمرأة على حد سواء، هناك التناقضات الحياتية نفسها الموجودة في الواقع الاجتماعي (داخل سلطنة عمان وخارجها)، الذي تكشف تدريجيا من خلال التحول الدرامي الذي طرأ على الشخصيات الروائية في علاقتها بهذا الواقع سلبا وإيجابا. كل هذا وغيره من شأنه دفع القارئ إلى التفاعل مع ما يعرض عليه، لأنه من المتوقع أن يجد شيئا من ذاته يسكن إحدى جنبات هذه الكتابة الحرة سواء في موضوعها الفكري أو نطاقها الجغرافي”.

وأضاف ” إذا أخذنا بفكرة التصنيف النوعيّ التي تجعلُ من الكتابة السّرديّة التي تبدعُها قريحةُ المرأةِ فنًا يندرجُ في سِياق ما يُعرَف بالأدب النِّسائيّ، فإنّ ذلك يعزّزُ من القول بأنّ التَّحوُّل فِعْلٌ متجذِّر في هذِهِ الكتابة من خلال تمايُزها موضوعيًّا عمّا تبدعهُ قريحةُ الرَّجل، وهذا ما أصْبح مُتَعارفًا عليه في أدبيّاتِ النّقدِ النّسائيّ والحركات النِّسائيّة التي تنشِغلُ تحديدًا بكتابةِ المرأةِ وأيديولوجيّاتها شكلًا ومضمونًا. هذه الثنائيّةُ التّقابليّةُ كانت هي السبب الرئيسي الذي جعل شطرًا من الكاتباتِ يَنْظُرْنَ إلى فعلِ الكتابةِ بوصفِهِ نوعًا من أنواعِ المقاومةِ الموجّهةِ إلى مركزيّة الثقافةِ الذكوريّةِ التي ترسِّخُها كتابةُ الرَّجل، وهو ما أشار إليه محمد عبد المطلب في قوله بأنَّ “اعتماد السَّرْد النِّسْوي على الشّخوص النِّسائيّة وإعلائها كميًّا وكيفيًّا كان بهدف نَقْلِها من الهامش الذي حُوصِرت فيه، لتحتلّ المتن الذي اسْتُبْعِدتْ منه زمنًا طويلًا، ومن توابع هذا النَّقْلِ تحمّل السَّرْد مهمة الدفاع عن الأُنْثَى، وتبرير أخطائها، وربما سَعى لتحميلِ الذَّكر مسئوليَّة هذِهِ الأخطاء”.

مع هذا التصوّر العام لمفهوم التّحوّل، والذي يعني المُغَايرة نتساءلُ: متى يُصبح هذا التحوّل فعلًا دراميًّا؟

ويقول” يُصبح التحوّل فعلًا دراميًّا متى توافرَ على عنصرَيْ: الأزمة والصراع النفسي، ولذلك كان من هذه الزاوية أكثر ارتباطًا بفن الدراما (كما سنبيّنُ ذلك لاحقًا في الإطار النظري). بهذا يتّضحُ أنّه ليس كلّ تحوّل يحدثُ للمرأة داخل الكتابة السرديّة هو تحوّل دراميّ بالضرورة، فقد يكون هناك تحوّل فكريّ ثقافيّ في الرؤى والمفاهيم دون أنْ يكون وليدَ أزمةٍ أو صراعٍ مباشر بينها وبين المحيط الذي تعيش فيه، ما يعني أنّ التّحوّل بمفهومه الدرامي أكثر ارتباطًا بمفاهيم ذاتيّة مباشرة، مثل: الرفض والاستنكار، ثم التحرر، كما هو الشأن في هذه الدراسة التي نحن بصددِ إعدادِها، حيث يحيلُ التحوُّل فيها إلى التَّغَيُّرات المباشرة التي طَرَأَتْ على شخصية المرأة (الشخصية المحورية في الرواية) نتيجة حدوث أزمة حادّة مرّت بها، وأنّه بِناءً على نوعيّة هذِهِ الأزمة ومستواها هبوطًا وصعودًا، تتحدَّدُ ماهيّة هذه التغيّرات سلبًا وإيجابًا، قبولًا ورفضًا، وهُوَ ما يَتْبَعُهُ تحديدُ المصير الحياتيّ للشخصيّة المُتحوِّلة.

ويتابع هندي “في مرحلة تاليّة يكونُ الحديثُ عن الأبعاد الأيديولوجيّة المُتَضمّنَة في هذه الأزمة التي كانت سببًا في تحوُّل الشخصيّة، وبيان ما إذا كان هذا التَّحوُّل الدرامي قادرًا على إيجاد تَحوُّل آخر مُوازٍ في وعي القارئ، خصوصًا إذا كان الموضوع الذي وُجِّه إليه من ضِمن الموضوعات العامة ذات النزعة الإنسانيّة التي لا تَرْتبِطُ بنطاقٍ جُغرافيّ مُحدد كما في: رؤية الأبيض للأسود، استعمار الأوطان (سياسيًّا وثقافيًّا)، ارتباط الخرافات والمعتقدات الشعبيّة المتوارثة بتشكيل وعي النَّاس، حرية العيش المشترك؛ وغيرها من الموضوعات التي نجدُ صدى كثيرٍ منها في روايات الكاتبة العُمَانيّة هدى حمد: “الأشياء ليست في أماكنها (التي صدرت في طبعة أولى 2009م، ثم طبعة ثانية 2010م، ثم في طبعة ثالثة 2017م)، والتي تعد السلالم (2014م)، وسندريلات مسقط (2016م)، وأسامينا (2019م)، ولا يُذكَرون في مَجاز (2022م)، وهي روايات كان للتحول الدّرامي فيها حضورٌ ملموسٌ وفاعلٌ على المستوىين: الموضوعيّ والفنيّ.

وفي هذا الإطار استهدفت دّراسة هندي بيانِ بواعثِ التَّحوُّل الدّراميّ في الروايات والدلالات التعبيريّة التي يتضمنُها، ثم علاقة هذا التحول بالمُتخيّل السرديّ عند هدى حمد، أولًا: على مستوى خصوصية الموضوعات المطروحة من حيث أبعادها الذاتيّة والجمعيّة. ثانيًّا: على مستوى البنية السَّرْديّة عبر بيان أثّر هذا التحوّل في تشكيل تقنياتها الجماليّة، وهذا يعني أنّ المُتخيّل السردي هنا يتحدًّدُ بالجمع بين (الموضوع والشكل) في آنٍ واحد، وأنّ أحدهما لا يمكن أنْ يستقيم في حالة بقائه بمعزل عن الآخر، فهما مادة الروائيّ في مرحلة ما قبل الكتابة.

وفي سبيلِ تَحقيقِ هذه الأهداف، جاءت الدّراسةُ في إطار نظريّ، وقسمين: في الإطار النظريّ عَرَضَت الدراسةُ لمصطلح التَّحوُّل وعلاقته بالأدب الدرامي، ثم التّطور الذي طرأ على هذا المصطلح بانتقاله من حيز الأدب المسرحيّ إلى الانفتاح على فنون أخرى كالشعر والرواية..إلخ، ثم علاقة الكتابة النّسائيّة بفكرةِ التَّحوُّل بصفة عامة، من منطلق أنّها كتابةٌ متحرّرةٌ موجّهة إلى الواقعِين: الاجتماعيّ والثقافيّ.
أما في القسم الأول، فتناولت الدراسةُ بواعثَ التَّحوُّل الدراميّ، وتجليّاته التعبيريّة في ارتباطه بالمواقف الحياتيّة المختلفة التي كانت عليها الشخصيّات النّسائيّة (المحوريّة)، خصوصًا فيما يتعلّقُ برؤيتها لذاتها، ومواقفها من الواقع الاجتماعيّ (خُصوصًا الواقع الأُسري) الذي حَرَصَ في الغالب على وَضْعها دائمًا في موْضع الأزمة. بالإضافة إلى بيان اتّساعِ النطاقِ الأيديولوجيّ للتحوُّل الدرامي بواسطةِ عَرْض قضايا إنسانيّة عالميّة، مثل: معاناة المرأة السوداء ومحاولات تغلّبها على التذبذب الاجتماعي الذي جعلها تتأرجحُ بين العبوديّة والحريّة. كذلك تجليات العلاقة التي كانت بين العُمانيّ والإفريقيّ، ثم معاناة العُمانِيين الذين عاشوا فترة من حياتهم في “زنجبار”، لكنهم لم يتمكّنوا من العودةِ إلى بلادهم. في الأخير، علاقة التحوّل بالمتغيّرات التي حَصلت للقرية العُمانيّة، ومدينة “مسقط” تحديدًا، جرّاء التّحوُّلات الحضاريّة التي فُرِضَت على الواقع المعاصر مع ظهور الحداثة، وما أتاحتْهُ من مُنْجزات تكنولوجيّة لم تكن مألوفة من قبل. إلى غير ذلك من القضايا التي عرضتها الرّوايات ضمن تحوُّلات شخصياتها النسائيّة.


وفي القسم الثاني، تكفَّلت الدراسة برصْد التغيّرات التي لحقت البِنية السَّرْدية للرّوايات (نتيجة توظيف التحوّل الدرامي)، خاصة ما يَتَّصِلُ بانفتاح المنظور السَّرْديّ النسويّ، من حيث ماهيّة المتكلم في الرّوايات، وتعددّية الصيغة السَّرْديّة التي استعملَهَا، وعلاقة الاسترجاع الذاتيّ بتحوّل مسار الحكي، بالإضافة إلى دوْر الشخصيّات النّسائيّة الثَّانوِيَّة في إحداث التحوُّل الذي طرأ على الشخصيّات المحوريّة، وهو ما أشار إلى وجود تغيّر ملموس في ملامح الصورة النمطيّة للشخصية الثانويّة داخل المتخيّل السردي، تلك الصورة التي انحصرت في أنّها شخصيات هامشية، تلى كلّ ذلك عرضٌ لعلاقة التحوُّل بتشكّلات الجسد الأُنْثويّ، مرورًا بدلالات المكان في حالتَيْ الانغلاقِ والانفتَاح، ثم توظيف الرّسم التشكيليّ ودوره في إيجادِ الفضاءات الموازية البديلة التي كان لها دورُها المؤثّر في تشكيلِ وعي الشخصيّات. في النهاية، حاولت الدراسةُ تبيّن علاقة أسلوب الانزياح (في أبعاده الدلاليّة والبلاغيّة) بأساليبِ التعبيرِ السَّرْدِيّ.

شارك هذا الخبر