أثير – مكتب أثير بالقاهرة
حاوره: محمد الحمامصي
الشعر حياة تتجلى فيه كل حيوات الحياة وأحلامها ورؤاها ومنغصاتها وتناقضاتها وهزائمها وآلامها، والقصيدة الحقيقية هي تلك التي تشكل هذه الفضاءات لغة وإيقاعا وصورة وتقدم توهجا لا ينطفئ جماله وحيويته مع كل قراءة، وهذا هو الشعر عند العالم والشاعر والمترجم الدنماركي العراقي الأصل البروفيسور د.سليم العبدلي، حيث يعتمل فيه علمه وروحه وجسده
إنه يكتب منغمسا في فضاء الحياة بكل ما تحمله من رؤى وأفكار وأحاسيس، وفي هذا الديوان تواصل نصوص العبدلي التغلغل في أبعاد كل ذلك كاشفة عن أنها -هذه الأبعاد- تمثل وجود ذات الشاعر نفسه. وفي هذا الحوار مع العبدلي نتعرف على رؤاه وأفكاره في ديوانه الجديد “لا لغة للحب” الصادر عن دار ميريت بالقاهرة.

هذا صحيح.. لا أدري لماذا يشكل عنوان الديوان أهمية كبيرة لي، وقد حرصت أن تختار عناوين مجاميعي الشعرية بعناية فائقة، وأود أن أوضح لك عن سر، فإن العناوين هي آخر ما أتوصل إليه، وفي بعض الحالات، بعد وقت طويل من الانتهاء من كتابة الديوان. دعنا نرجع إلى ما تسميه بالالتباس، وبصراحة لا أعني إثارة أي التباس، ولم يكن القصد من العنوان، أي عنوان هو الغموض، ولكني وأنا أكتب لأول مرة بهذا الإسهاب عن حالات الحب والعشق والهيام والاشتياق، وجدت أن اللغة، أية لغة غير كافية لوصف حالات الحب، فالحب يبقى أعمق من الكلمات التي توصفه، وأية كلمة أو عبارة أو جملة أو قصيدة هي محاولة من الشاعر للاقتراب من حقيقة الحب، ليس إلا. وفي رأي أن الشعراء لن يكفوا عن التعمق في معنى الحب في أية لغة ما داموا يكتبون، عملية لانهائية.
**اعتدت منذ دواوينك بما فيها هذا الديوان التقسيم وفقا لرؤى وأفكار كل نص وعلى باب كل فصل لا يأتي عنوان، ولكن نصا شعريا يؤشر إلى ما تحمله قصائد هذا الفصل من تجربة.. لتشكل الأقسام/التجارب تجربة الديوان كله.. هل نحن أمام نوتة موسيقية؟
نعم، لك أن تسميها نوتة موسيقية أو لوحة فنية تروم الكمال، ولها ألوانها وعوالمها التي يحددها الإطار والموضوع المنعكس في اللوحة. كذلك فصول الديوان، فإنها لوحات أربع أو خمس على الأكثر، ولكن لكل منها إطاره الذي يحدده العنوان، والذي بذاته هو جزء من اللوحة، ولذلك يأتي العنوان في دواويني في نص شعري أو قصيدة أو حكمة يهيئ القارئ للدخول في عالم الفصل، وبذا يكون مستهلاً لقصائد الفصل التي هي الأخرى ليست إلا أجزاء أو ألوانًا، إن صح لنا تسميتها، من هذه اللوحة. وهنا يتسنى للقارئ قراءتها منفصلة، كل قصيدة مستقلة عن الأخرى، تدعوه للتأمل والاستنباط، أو أن يصبر حتى أن تكتمل الصورة المعنية في الفصل، ككل متكامل للرؤية المطروحة فيه. وهذا ما دعاني، دون أن أتعمد ومنذ انتهائي من كتابة الديوان الأول، أن تخلو القصائد من العناوين، لتنسج مجتمعة صورة متكاملة.

برأيي المتواضع، أجد أن وطن الشاعر الأصيل هو لغته، يحملها معه، يؤلف فيها أفكاره ورؤاه، ثم يطرحها بجمالية مقصودة لكي يعبر فيها عن هذا الوطن. وبما أني فقدت وطني منذ أربعة عقود، وجدت اللغة هي من يحتضنني، وهي التي ساعدتني على الحفاظ على توازني الإنساني، فقد عشت كل هذه السنين في كنفها دون الشعور بالغربة أو الاغتراب. ففي وطني الأم، بغداد، كنت أعيش الاغتراب، وبعد الرحيل، عشت الغربة، وهاتان الحالتان هما من أقسى الحالات النفسية التي تعصف بالإنسان. غير أن اللغة كانت هناك معينًا لي لتجاوز هاتين الحالتين. ولا يسعني القول بأن اللغة استطاعت أن تمنع هاتين الحالتين من الوجود في الذات الإنسانية، ولكنها ساعدتني على التعامل معهما، خاصة عند اشتداد واحدة منهما. ولذا جاءت في هذا الديوان كمحور آخر، فرض نفسه على القصائد، فكان لها أن تمثل الوطن الذي لفظني يومًا، والحبيبة التي أود التعرف على كل خباياها، والغربة المتمثلة باللغات الأجنبية والتي يتعثر بها لساني أو يصعب على الوجدان الإحساس بها عند الضياع في الاغتراب الذاتي. نعم شكلت اللغة هذا المحور في هذا الديوان، ومحوراً مهما، ولهذا انعكست حتى في عنوان الديوان.
** تقتصد في اللغة اقتصادا واضحا حتى يصعب حذف مفردة من مفردات النص وأحيانا كثيرة تبديلها؟ ألا تخشى من هذه الدقة؟
أود أن أطلق عليه التكثيف بدل الاقتصاد.. وبالتأكيد، أخشى كثيرا من هذا التكثيف، ولكني أعوّل على الصورة.. على ذلك الحس المكثف في المفردات، والذي يعطي القارئ فسحة من وضع معانيه الخاصة في القصيدة، فانا لا أنوي الشرح في القصيدة، بغض النظر عن بساطتها ومباشرتها، ولكنها غالبًا ما تحتمل التأويل، لكي يحس بها القارئ بأحاسيسه الخاصة، وليس بأحاسيس الشاعر. إن الهدف من هذا التكثيف ليس التجديد فقط، وإنما أطرح لغة جديدة تستفز القارئ إيجابيًا بحيث يتسنى له امتلاك القصيدة، وفقط عندما يتسنى له ذلك، أكون قد وفقت في كتابة ونشر هذه القصيدة أو تلك..





