ما قصة الخبّاز في المجموعة القصصية “رغيف أسود” للدكتور سعيد السيابي؟

ما قصة الخبّاز في المجموعة القصصية “رغيف أسود” للدكتور سعيد السيابي؟
ما قصة الخبّاز في المجموعة القصصية “رغيف أسود” للدكتور سعيد السيابي؟

أثير – مكتب أثير في تونس
قراءة: محمد الهادي الجزيري


“نبذته الجذور والفصول والحدود، عدا علبة سيجارة تعرّف عليها في صباه، وحملها في صدره وساما يلفّ به العالم مغتربا، باحثا عمّن يقدّر صنعته”

ما قصة الخبّاز في المجموعة القصصية “رغيف أسود” للدكتور سعيد السيابي؟
ما قصة الخبّاز في المجموعة القصصية “رغيف أسود” للدكتور سعيد السيابي؟

بهذه المفردات افتتح القاصّ والباحث العماني سعيد السيابي نصّه المدرج الأوّل في مجموعته التي تحمل عنوان “رغيف أسود”، ومنذ العتبة الأولى يجد القارئ نفسه وجها لوجه مع “خبّاز” أجبرَه أبناء وطنه على الهجرة بعد أن اتفقوا عليه مع شريكه، فاضطر إلى التحليق عاليا وبعيدا عن بلاده بحثا عن مورد رزق من صنعته كخبّاز وصاحب مخبزة، وقد نجح في ذلك، فتحوّلت تجارته من حال إلى حال، وحين تفطّن إلى نداء الوطن وضرورة العودة إليه لكي يموت فيه..، باغته مفرّق الجماعات ومات غريبا.. وذاك قدره ومشيئة الله..، يكتب القاصّ:

“عاد الخبّاز محمولا على الأكتاف رغم أنّه لم يكن فاتحا ولا منتصرا بل مغتربا”

ثمّة قصّة قصيرة وخاطفة كالحلم ، عنوانها “نمل الديموقراطية”، أثارت انتباهي من العنوان الطافح بالغرابة..، فقرأتها وهي قصة جنديّ في أتون الحرب، يلاحظ جيشا من النمل المنشغل على حربه هو.. بالتزاماته تجاه بني جلدته وما يوفّره لهم صباح مساء من متطلبات الحياة، بعيدا عن الديمقراطية الرنانة التي صدّعوا بها رؤوسنا، على كلّ أرى أن الكاتب قدّم لنا درسا وجيزا في الحياة بدون شعارات فضفاضة، نقرأ له:

“نمل حرّ يسبح في الملكوت، هكذا وصفتهم الكتب السماوية، ورتّبت الكتب الأرضية بصدق علاقتهم بالديمقراطية الجميع مهتم بمستقبل المستعمرة، لا يتحرّك الجنود للحرب بدون تفويض النمل، حيث لا عداوات مطلقة، ولا صداقات متقلبة..”

قصة أخرى مثل حبّة أسبرين، تزيل الصداع وتريح من يقرأها، السردية بعنوان: نباح القطيع، وتسرد حكاية قطيع يقطع القرية جيئة وذهابا كلّ صباح وكلّ مساء، وبيّن القاص سعيد السيابي أنّ هذه الحركة وما تنتج من فوضى وروث، كانت سبب امتعاض أهل القرية.. ممّا جعلهم يغيرون الصراخ من داخل البيوت.. إلى نباح على القطيع الذي استملح الفكرة وانخرط منذ اللحظة في النباح، أهم شيء هو ردّة فعل مالك القطيع:

“وصل الخبر لصاحب البيت الشرقي بأنّ قطيعه وأهل قريته غيّروا من أصواتهم وأمسوا يقلّدون أصوات الكلاب، لم يحرّك ذلك ساكنا فيه، طالما القطيع كما هو يلد وينتج حليبا وصوفا، تاركا لأهل القرية فرصتهم في التقليد كما عهدهم دائما”

في “الديك الذي فقد صوته” تلقين لمن لم يفهموا الدرس، درس الحياة والغرور والتواضع.. إذ لا دائم إلا الله، ولا خلود سوى من كان خالدا في تكوينه وموهبته، نبوغه وعبقريته، فالديك في القصة كلّ واحد منّا يخطئ في حسابه ويظنّ أنّه الأفضل والأبقى والأقدر على الغواية، حقيقة وجدت متعة في قراءة هذه القصة ذات الدلالات الرمزيّة، فأنا أطالعها كأني أرى أشخاصا أعرفهم وسبق لي أن جالستهم واستمعت لهم، ولم أجن شيئا سوى الجعجعة..، وأرجو أن لا تكون نهايتنا (أنا وسعيد السيابي والقراء) كما انتهت شخصية هذه القصة:

“طار الديك لارتفاع أكثر من ذي قبل، منها لم يعد يُسمع صوته  أو حتّى رؤيته، فيما عدا بقايا ريش عبث بها الهواء، يتطاير قبل أن يهبط إلى التراب، تلاحقه عيون تراقب”

سأختم هذه الإطلالة على مجموعة الكاتب والباحث سعيد السيابي “رغيف أسود”، ببعض القصص القصيرة المدرجة في نهاية الكتاب، ففيها تكثيف عال وإيماءات ذكيّة وفيها تجلّت روح القاصّ وموهبته في الحكي..وإصابة الهدف:

فرم
“اسمها فرح وزوجها سعيد.
التماس كهربائيّ أحرق بيتهما، مات بسببه سعيد فاحترقت روح فرح”


ذكرى
“صبّت على يدها صابون سائل رخيص ليساعدها على إخراج دبلة الخطوبة غالية الثمن
ثمّ سحبت السيفون خلفها”


صائم
“أمطرته بوابل من الشتائم البذيئة، رمقها بطرف عينيه، ورفع أمام وجهها ورقة بيضاء، كتب في منتصفها بخط واضح (صائم)


شارك هذا الخبر