أثير – الروائي الأردني جلال برجس
ماذا لو ظهرت ثورة الاتصالات الحديثة في زمن (ماركيز) أو (نجيب محفوظ) أو (الطيب صالح)؟ هل ستغريهم (وسائل التواصل الاجتماعي) ككتاب للانخراط في عوالمها؟ هل سيخسرون بعضًا من طقوسهم، وعزلاتهم، ولقاءات المقاهي الثقافية التي كانت تفضي حواراتهم فيها إلى مستويات إبداعية عالية، بل حتى أن أفكارًا عظيمة ولدت في تلك الاشتباكات الثقافية المهمة، وأدت إلى كتب مهمة نتداولها للآن.
تبدو الإجابة منقوصة وغير عادلة بأدوات زمنهم، وبعيدًا عن أدواتنا الإشكالية في هذه الأيام التي يمضي الإنسان فيها-خاصة بعد مرحلة (كورونا)- إلى عزلة غريبة يكسرها الهاتف النقال بتقنياته الحديثة جدًا، وهو يطل على العالم عبر وعي فردي صامت مراقب للجماعي الصاخب، من دون ذلك الأثر الإيجابي للاشتباكات الإنسانية قبل صدمة التكنولوجيا.
لقد تلاشت معظم المقاهي الثقافية المعروفة في العالم، وفي العالم العربي، وما تبقى منها ما هو إلا إطار شكلي يستثمر الذاكرة بوعي استهلاكي، وتراجعت تلك الفضاءات الثقافية، لتحل محلها فضاءات افتراضية.
عرفت الإنترنت في صيف عام 1995 بعد أن قرأت في الصحافة عما نحن مقبلون عليه من زمن جديد يجسر المسافات، ويذلل كثيرًا من العقبات التي تواجه الإنسان، ويحول العالم إلى قرية واحدة، شأنه شأن أي ابتكار علمي جديد يرتقي بسوية البشرية. كان دافعي في تلك الأيام هو ما يقود الكاتب إلى عوالم جديدة تضيف له ما ينعكس على نصة الأدبي، تتملكني حماسة كبيرة لأعبر بوابة الواقع نحو ما سمي بالفضاء الافتراضي، وبالفعل حدث ذلك في مقهى للإنترنت يتقاضى آنذاك ما يزيد عن خمسة دنانير أردنية مقابل ساعة واحدة. أتذكر ذلك الارتباك الكبير الذي أصابني وأنا أتخبط بين الصفحات الإلكترونية التي تحمل كمًا هائلًا من المعلومات؛ إذ كنت ككاتب أقف حائرًا أمام تساؤل مفاده: من أين أبدأ الطريق إلى المعرفة عبر هذا الفضاء الجديد؟ وعبر الكم اللانهائي من الكتب الإلكترونية، والمخطوطات، والمجلات، والصحف، والتسجيلات الصوتية، والمصورة. تساؤل قادني إلى الشكل الذي سيكون عليه العالم بعد ذلك الانفجار الاتصالاتي الكوني.
مع تطور هذه النافذة الواسعة، وظهور وسائل التواصل الاجتماعي وجد الكاتب نفسه أمام قرائه من دون تلك المسافات التي كانت تفصل بينه وبينهم، الأمر الذي جعله يهبط من برجه العاجي ويشتبك مع القارئ بما يفضي إلى مساحات إبداعية جديدة، بما أن القارئ شريك في النص، وبما أن فعل القراءة هو فعل كتابة بمستوى آخر. استفاد بعض الكتاب من هذا القرب الثقافي حين أنصتوا لقصص الناس وحكاياتهم وأفكارهم عبر أدوات جديدة، تضاف إلى أدوات الواقع، وعاين بعضهم انعكاسات ما يكتب على قرائه، لكن الصورة العامة لهذا الفضاء لم تتوقف عند هذا الحد بل اتخذت مسارات سلبية على الصعيدين الثقافي، والإنساني المعيش. فعلى الصعيد الثقافي انخرط كثير من الكتاب في حمى الظهور، وحصد إعجاب المزيد من القراء مقابل خسارتهم للطقس الكلاسيكي الذي بددته للأسف الشديد هذه الثورة الاتصالاتية.
وعلى الصعيد الإنساني فقد سهل ما أتت به ثورة الاتصالات كثيرًا من جوانب حياة الإنسان، لكنها -وبعيدًا عن نظرية المؤامرة-في المقابل فعلت الكثير مما يمكننا القول أنه سلبي، وأخطر تلك الأفعال هو تهشيم بنية العائلة. فقد انتمى كثير من أبناء هذا الكوكب إلى ما يسمى بوسائل الاتصال الاجتماعي التي يفترض في وصفها العام أنها تحقق التواصل بين الجماعات وترسخها، لكن الذي حدث أنها رسخت الفردية بديلًا للروح الجماعية مما أحدث تغييرًا كبيرًا على بنية العائلة التي كانت فيما مضى تحظى بجملة من الروابط المهمة.
في عام 2018 زرت لندن، وفي بالي العديد من الصور التي ترسخت عن تلك العاصمة المهمة عبر مراحل زمنية من حياتي، وأهمها صورة الإنجليزي وهو يقبل على القراءة. لكنني في الصباح لم أجد كتبًا بين يدي مرتادي (المترو)، بل حلت محلها الهواتف النقالة؛ إذ أن معظمهم إما يحدقون بشاشات تلك الهواتف، أو يربطونها عبر الأسلاك بمسامعهم وينظرون في الفراغ. كنت أعتقد بسذاجة أن ذلك التراجع حدث في العالم العربي فقط، إلا إني وجدته قد انسحب أيضًا على المركز الذي كان وما يزال بالنسبة للأطراف مثالًا يذكر دومًا كلما وقع حديث حول الكتاب والقراءة كأحد سبل المعرفة.





