د. رجب بن علي العويسي خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة
لمّا كان التعليم والتعلم والبحث بعلمي والقدرات الوطنية إحدى أولويات رؤية عمان 2040 التي تشكل المرجع الأساسي للتنمية في سلطنة عُمان خلال الفترة 2021- 2024، فقد جاءت إشارة وحدة متابعة تنفيذ رؤية عمان 2040 بوجود جهود قائمة في تنفيذ الأولويات الوطنية لرؤية عُمان 2040 سواء كانت على شكل مراسيم سلطانية أو أوامر وتوجيهات سامية أو مبادرات ومشاريع أو أنظمة وقوانين ، وأن من بين المستهدفات المطروحة في أولوية التعليم والتعلم والبحث العلمي والقدرات الوطنية ، مبادرات لتشجيع الاستثمار في قطاع التعليم، الأمر الذي يطرح من ملف الاستثمار في التعليم اليوم كأحد أهم المستهدفات التعليمية التي تتجه إليها مسارات العمل الوطني والسياسات والإجراءات والممكنات التي تضع الاستثمار في التعليم في مسار التنفيذ .
وبالتالي تتجه معادلة التعامل مع مبادرات الاستثمار التعليمي، في خطين متوازيين، يقوم الأول فيها على مرتكز الجودة في التعليم والتنافسية في مخرجاته، بمعنى كيف يمكن أن نجعل من التعليم: أدواته وأساليبه ووسائله وموارده وإمكاناته واختصاصاته وبرامجه التدريبية ومناهجه وموجهاته التخطيطية وبرامج الإحصاء وأنظمة التقييم والتقويم والاعتماد، منطلقا لاستثمار البعد النوعي المتعلق بجودة التعليم وتعميق أثره المستمر وحضوره الفعلي في برامج التنمية الوطنية وبناء الإنسان، وهو ما يمكن أن يظهر في مهارات المتعلمين وقدرات واستعدادات وكفاءة المخرجات التعليمية، وكفايات القائمين على التعليم والممارسين له من معلمين وادارات المدراس ومشرفين وأكاديميين وصناع السياسة التعليمية ، بحيث يمثل التعليم بيت خبرة وطني في إعادة انتاج الواقع الاقتصادي والوعي الاجتماعي الوطني في المرحلة المقبلة، بما يمتلكه من خبرات معززة بالمواقف والتجارب ونماذج المحاكاة في انتاج الفكر الاستراتيجي وتقديم منتج بشري يعزز كفاءة الأداء في منظومة عمل المؤسسات ويرفد احتياجات التنمية بالخبرات والنماذج والقدوات والتجارب والعناصر الميسرة لتقديم منتج وطني يتلاءم مع معطيات الرؤية ومستهدفاته؛ وأما الخط الآخر فيقوم على تأكيد القيمة المضافة التي تمثلها مؤسسات التعليم من مدارس وجامعات ومراكز التدريب والتأهيل والبحث العلمي وتلك المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة ، بما تمتلكه من مورد مادي ومتعلقات عينية ثابته ومنقولة وبيئات استثمارية اقتصادية، وسندات وأصول ومتعلقات واستثمارات، تعزز الاستثمار الوقفي في التعليم وتعزيز البنية الإنتاجية له، وتؤسس لبناء صناديق استثمارية تعليمية، عبر إشراك القطاع الخاص ورجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية المعتمدة المستوفية لشروط العمل في الدخول في استثمارات ذات عوائد اقتصادية كبيرة في قطاع التعليم سواء في بناء المدارس والجامعات أو توفير مستلزمات وحلول التعليم وإعادة انتاجها، وخلق فرص أكبر للتدريب وتوظيف الكفاءة التعليمية في انتاج حلول المستقبل.
على أن تحقيق هذا التحول في التعامل مع الاستثمار في التعليم، يرتبط بطبيعة النظر للتعليم نفسه، والثقافة التي يحملها مجتمع الاقتصاد والمال حول التعليم، وما إذا هو منظومة استهلاكية أم استثمارية؟، إذ واقع الحال يشير، بأننا ما زلنا نمارس في المنظومة سلوك الاستهلاك، فالتحديات المالية تفرض تأثيرها في تقليص حجم الجهد المبذول في نطاق المنظومة، ويواجه القرار التعليمي تحديات المال في الوصول إلى توقعات المجتمع أو تحقيق أحلام منظومة التعليم وطموحاتها، بالإضافة إلى تقليص المصروفات الجارية والرأسمالية الممنوحة في سبيل جودة إدارة الانشطة والبرامج التدريبية والمسابقات والدراسات والبحوث وغيرها في مؤسسات التعليم المدرسي والجامعي والعالي وأنواع التعليم التقني والمعني والفني والريادي، وهو ما يعني أن البحث عن أي مدخل في تناول الموضوع يقتضي تغيير منطق الفهم السائد حول التعليم كمنظومة استهلاك، واتخاذ اجراءات تشريعية وتنظيمية وتوعوية، تسهم في تحويل النظرة إلى التأكيد على الرؤية الانتاجية الاستثمارية الواسعة التي تبني في التعليم طموح العطاء وسلوك الانتاجية، عليه فإن تصحيح هذه النظرة، إنما يأتي عبر الاستراتيجيات التي تعتمدها الدولة في التعامل مع منظومة التعليم من خلال موازنة التعليم وطريقة التعامل مع المصروفات المقدمة للتعليم؛ ورغم أن الموازنة المحددة للتعليم في الموازنة العامة للدولة لعام 2023 تفوق غيرها من القطاعات، إلا أن واقع تفاصيل الموازنة يتجه إلى المصروفات الجارية المتكررة كرواتب المعلمين والأكاديميين وحافلات نقل الطلبة وبناء المدارس وغيرها أكثر من اتجاهه إلى النوعية المرتبطة بالبنية الفكرية والمعرفية وبناء القدرات وإنتاج الموارد، وبالتالي إلى أي مدى تتجه مرونة الموازنة إلى تعميق القيمة المضافة للاستثمارات المؤسسية التعليمية في مجالات التدريب والتثقيف والبحث العلمي وبرامج الانماء المهني والبنية التقنية للتعليم والخطط وبناء المؤشرات والمعايير، وتعزيز وإنتاج المواهب وتوطين الكفاءة وحفز الإنتاجية، بحيث تصبح هذه الموجهات إطارا عمليا تدور حوله المعالجات المقترحة والقراءات التحليلية المعمقة، بشكل أكثر مرونة وديناميكية لبلوغ جودة تعليمية متوازنة في المدخلات والمنتج والعمليات الداخلية للتعليم.
ومع التأكيد على القيمة المضافة للاستثمار في التعليم، إلا أن طرح مسألة الخصخصة في الاستثمارات التعليمية، يجب أن تسير في إطار فهم معمق لمستوى التأثير المتحقق منها على المدى البعيد من حيث الاستيعاب والتكيف، بمعنى؛ استيعاب خصخصة التعليم لطموحات الإنسان العماني والسلوك الاجتماعي المرتبط بها، وإدراكه لمنظومة القيم الاجتماعية والاقتصادية وثوابت الهوية، وقدرته على التعامل مع التحديات المرتبطة بالقبول والثقة، في ظل ما تبرزه التجربة الحالية في المدارس الخاصة من حاجة إلى ضبط هذا القطاع وإيجاد آليات أكثر صرامة وفاعلة في التعامل مع مسألة الجودة التنظيمية والإدارية والبنية المعرفية والفكرية ومستوى الثبات والديناميكية وآلية التعامل مع الرسوم الدراسية وحجم المساحة المتاحة في ذلك، والتغييرات التي يجب يحدثها التعليم الخاص في مستوى التنظيم والمال والرسوم والمناهج والإدارة والكادر الوطني، كمعايير واشتراطات للجودة، وإشكاليات ضيق الأفق في نظرة القطاع الخاص لتحقق الاستدامة المطلوبة، وأثرها في أوضاع التعليم، وبالتالي كيف يمكن أن تسهم هذه التحولات في منظور الاستثمار في التعليم في تغيير قناعات القائمين على الاقتصاد ومستوى استيعابهم لما يمكن أن ينتجه التعليم على المدى البعيد، في ظل وجود مؤشرات اقتصادية عالمية تضع التعليم كأداة نوعية لاستثمار وطني وتقدم استراتيجي، وما يمكن أن نستلهمه هنا في عمان من جهود البحث في ايجاد سياسات تعليمية ترتبط بمنظومة اقتصادية متوازنة عبر تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ودور شركات الانتاج الطلابية بالمدارس والجامعات كنواة لمرحلة جديدة في تصحيح هذه النظرة، وتأكيد دور التعليم كاستثمار مستدام، في تقريب لغة التعليم والاقتصاد مع الحفاظ على خصوصيته، عبر نماذج حقيقية تعكس هذا التمازج والحوار فيما يريده الاقتصاديون وما يريده التعليم ، ومسؤولية التعليم في المقابل بوضع هذه المنطلقات في أولوياته، عبر التنويع في المسارات، والتركيز على المهارات، و إعادة انتاج المتعلم اقتصاديا، والتوسع في خيارات وبدائل وأنواع الاستثمار التعليمي .
أخيرا، فإن مقتضيات الفعل التشريعي لرؤية عُمان 2040 وما طرحته اليوم من مبادرة الاستثمار في التعليمي، بحاجة إلى إطار وطني تجتمع فيه مؤسسات التعليم والاقتصاد والتشغيل، تناقش فيه طبيعة الاستثمار الذي يتكيف مع الحالة العمانية ويستجيب له المواطن في ظل المعطيات الحالية والتوجيهات السامية لجلالة السلطان بشأن توعية المجتمع بثقافة العمل العالمية وتوجيه الشباب للعمل الحر، بحيث تحدد شكل المشاركة وأطرها وطبيعة الاستثمار وتقييم التوجهات المرتبطة بها في الجامعات والمدارس الحكومية والخاصة مع الاستفادة من أفضل الممارسات الاستثمارية التعليمية المعتدلة حول العالم، إذ من شأن هذا التفاعل الوطني الجاد، أن يسهم في بناء أُطر واضحة وقرارات استراتيجية نافذة، تستند إليها التوجهات القادمة في خصخصة التعليم والاستثمار فيه، وفي التعامل مع موازناته المالية.




