هل ستفقد إيران ورقة هرمز؟

يناقش الكاتب تداعيات استهداف سلطنة عُمان وإغلاق مضيق هرمز على صورة إيران وعلاقاتها الإقليمية، ويدعو طهران إلى مراجعة نهجها وفتح الملاحة وترميم علاقاتها مع الجوار.

هل ستفقد إيران ورقة هرمز؟
مضيق هرمز
أثير- الركابي حسن يعقوب
حينما شنت أمريكا وإسرائيل هجومهما العسكري واسع النطاق على إيران في الثامن والعشرين من فبراير من هذا العام، بينما كانت أمريكا منخرطة معها في مفاوضات في جنيف حول برنامجها النووي تحت رعاية ووساطة عُمانية، وقد كانت يومها ثمرة المحادثات قد أزهرت وأينعت وحان وقت قطافها.
حينما وقع ذلك الهجوم المشترك على إيران، أدانه الأحرار حول العالم واعتبروه عدواناََ سافراََ وغير مبرر وغادر وغير قانوني، لأنه حدث أثناء المفاوضات وفي ظل وقف إطلاق نار متفق عليه بين الجانبين ووثقته الوساطة، وكان بمثابة عهد وميثاق والتزام أخلاقي بحسب الأعراف والمواثيق الدولية ونصوص القانون الدولي الذي ما رعته أمريكا حق رعايته.
غضب أحرار العالم بسبب العدوان الأمريكي على إيران وتوالت كثير من رسائل الإدانة والشجب والاستنكار، وحظيت إيران بتعاطف وتضامن وتأييد غير مسبوق وكانت في وجدان الأحرار حول العالم في موضع المظلوم والمجني عليها والضحية، وكانت أمريكا وحليفتها اسرائيل في موضع الظالم والجاني والمعتدي الأثيم.
وقد كانت سلطنة عُمان أول من أدان هذا العدوان الغاشم، انطلاقا من مبادئها الراسخة التي تقوم عليها سياستها الخارجية وتحكم علاقاتها مع الدول على المستويين الإقليمي والدولي، وهي مبادئ تقوم على أسس التعاون والعدالة وتبادل المصالح واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وقوامها عدم اللجوء لاستخدام القوة وحل الخلافات والنزاعات بالطرق والوسائل السلمية، وذروة سنامها الحياد الإيجابي الذي جعلته سلطنة عُمان نهجاََ لها تسعى به إلى لعب دور الوساطة لحل النزاعات سواء بين الأشقاء بدول المنطقة ، أو الأصدقاء على النطاق الإقليمي والدولي ولها في ذلك تجارب ونماذج ناجحة ومشهودة.
وطوال أيام الأزمة الحالية، لم تكن سلطنة عُمان مكتوفة الأيدي ولم تقف موقف المتفرج، بل ظلت منخرطة على الدوام في كل مساعي التهدئة والجنوح للسلم بالرأي وبالمشورة، وظلت مسقط قِبلة يممت شطرها قيادات إيرانية رفيعة المستوى للتشاور حول مختلف القضايا المتعلقة بالأزمة، وكانت مسقط وِجْهة مهمة تفييء إليها الدبلوماسية الإيرانية حينما تدلهم الخطوب وتنسد كل الطرق وتتعرج المسالك فتجد الحلول والمخارج عندها بلا من ولا أذى، وهي تفعل ذلك ليس تحيزاََ وإنما ترمي بذلك إلى إفشاء السلام وتوسيع دائرة التهدئة وإطفاء نار الحرب ومنعها من الانتشار والتمدد، لأن ذلك ليس في مصلحة دول المنطقة وعلى رأسها إيران نفسها.
لكن، أن يُقابل هذا الصنيع وهذا المعروف والإحسان بالعدوان والتجني والاستهداف بالمسيّرات، فإن ذلك مما يثير الدهشة والاستغراب حقيقة، ولا يجد له المرء تفسيراََ منطقياََ ولا تبريراََ مستساغاََ ويضع علامة استفهام كبرى على ذيل سؤال مهم لماذا هذا العدوان على السلطنة؟
ماذا فعلت سلطنة عُمان حتى تكون هدفاََ لهجمات المسيّرات الإيرانية، وقد كان وزير الخارجية الإيراني د. عباس عراقجي ضيفاََ في زيارة رسمية لسلطنة عُمان، غادر بعدها قبيل وقت قصير من وقوع الهجوم!!
إن هذا السلوك الإيراني يطرح سؤالاََ آخر لا يقل أهمية عن سابقه، وهو من يصنع القرار في طهران؟ وهل هناك مراكز متعددة لصنع واتخاذ القرار؟
إن سياسة استعداء الدول التي تنتهجها إيران ستكون هي أول المتضررين منها، وهي بذلك تضرب على نفسها سياجاََ محكماََ من العزلة، حتى من اقرب أصدقائها بالمنطقة، وهي سياسة تحكم بها الخناق على نفسها باختيارها، هذا النهج الذي يقوم على قاعدة (من ليس معي فهو عدوي) سيفضي بها إلى أن تصبح جزيرة معزولة وبسببها ستفقد كثيراً من التعاطف والتأييد والمساندة من الشعوب الحرة حول العالم، في وقت هي أحوج ما تكون فيه لمزيد من التأييد والمساندة والتعاطف من هذه الشعوب وحكوماتها.
إن الاعتماد فقط على القوة المادية دون حساب لعناصر القوة الأخرى غير المادية، يعتبر عرَض لمرض كان سبباََ في سقوط دول وامبراطوريات كانت ملء السمع والبصر عبر التاريخ، وهو مرض ”غرور القوة“، فالدول والحضارات التي لا تحسن التعايش مع غيرها في سلام وعلى أساس من الاحترام المتبادل وتعتمد فقط على قوتها المادية وتسعى لفرض رؤاها وأجندتها على الآخرين، تحكم على نفسها بالفناء والاضمحلال وذهاب الريح مهما أوتيت من قوة ومنعة.
إن مضيق هرمز ورقة ذات أهمية قصوى في الصراع القائم الآن بين إيران وأمريكا، وهذه الورقة هي حتى الآن بيد إيران لا شك في ذلك، لكن من المعلوم أن أوراق الضغط يمكن أن تنتج آثاراََ عكسية وغير مرغوبة إذا ما أسيئ استخدامها أو استخدمت في التوقيت الخطأ.
إن الإصرار على إغلاق المضيق رغم أن مذكرة التفاهم تنص على فتحه يشكل صورة من صور إساءة استخدام لهذه الورقة، بل هي صورة معكوسة تماماً، وستترتب عليها آثار مغايرة لما يراد منها، فالصحيح وما كان يجب أن يكون هو أن تلتزم إيران بفتح المضيق للملاحة وفقاً لنص المذكرة وتدع حركة مرور السفن تنساب بسلاسة دون عوائق من رسوم وخلافه وبالتشاور مع سلطنة عُمان الدولة المشاطئة، وبذلك تكون قد حققت نقطتين أساسيتين تحسبان لها، النقطة الأولى هي التزامها بتنفيذ البند الخامس من المذكرة على أرض الواقع، والنقطة الثانية هي أن فتحها للمضيق يحول دون تدخل أمريكا أو غيرها في شأن المضيق، حيث لا ذريعة لتتدخل وبهذا يكون المضيق سَلَماََ للدولتين بالأمر الواقع مع عودته إلى وضعه العادي قبل الحرب.
والحقيقة التي لم تنتبه لها إيران حتى الآن، أن فاعلية ورقة مضيق هرمز تكمن بصورة أساسية في كون الملاحة فيه تعود وتسير بسلاسة دون معوقات ودون مناوشات حوله، والعكس صحيح، فإن اضطراب الحركة فيه وتكرار إغلاقه والضربات الأمريكية وتجدد الحصار الأمريكي يرجح أن يفقد المضيق فاعليته وأهميته كورقة ضغط خالصة في يد طهران، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة التي قال فيها إن ”الولايات المتحدة ستكون الوصي على مضيق هرمز وسيتم سداد 20% على جميع البضائع المشحونة مقابل الحماية“!.
كذلك هناك احتمال تطوير بدائل ومسارات أخرى بديلة لمضيق هرمز بحيث يفقد جزء كبير من أهميته في الأجل الطويل، فشركات النقل لن تغامر بالعمل وسط اضطراب الأوضاع في المضيق وعدم استقرار الملاحة فيه، وأمريكا لن تستطيع إعادة الملاحة بالمضيق إلى وضعه الطبيعي السابق بالقوة.
عليه، فإنه من الأجدى لإيران أن تراجع نهجها الحالي الخاص بالمضيق وتعيد النظر في طريقة تعاطيها مع الأزمة بقدر أوفر من الحكمة وبنظرة أكثر استراتيجية، كما أنه عليها أن تبادر إلى ترميم ما تصدع من علاقاتها مع دول جوارها الإقليمي، وتكف عن مهاجمتها إذا أرادت أن يكون لها مستقبل أفضل ومكانة مميزة بين دول المنطقة.
سلطنة عُمان دولة مستقلة ذات سيادة وتعرف كيف تصون مصالحها، ولها حق طبيعي ومطلق في إدارة شأنها وبسط سلطتها على كامل حدودها وأراضيها براََ وجواََ وبحراََ بما ترى أنه يحقق مصالحها الوطنية دون إملاء أو وصاية من أحد، وهي في الوقت نفسه تحترم سيادة الدول وتراعي مبادئ حسن الجوار ولا تتدخل في الشأن الداخلي لها، وحري بالآخرين أن يسلكوا معها ذات النهج حتى تستقيم الأمور وفي استقامتها خير للجميع ونجاة المنطقة من الانزلاق في أتون حرب واسعة النطاق لن يكون فيها منتصر.
وحتى لا يقع ما وقع لعبد الله بن الصمة وقومه بمنعرج اللوى، حين لم يصغوا لنصح الشاعر والفارس الجاهلي دريد بن الصمة - وهو شقيق عبد الله بن الصمة - فما استبانوا نصحه إلا ضحى الغد بعد أن تمكن العدو من رقابهم

شارك هذا الخبر

عن الكاتب