رصد - أثير
في سياق سياسة استيطانية ممنهجة تستهدف مصادرة الهوية التاريخية للأراضي الفلسطينية، تعمل سلطات الاحتلال الإسرائيلي على توظيف مؤسساتها التشريعية لفرض سيادة مدنية على المواقع الأثرية في الضفة الغربية، في خطوة يرى الفلسطينيون أنها تمهّد لـ ”الضم الفعلي“ وتكرّس السيطرة على الأرض.
وفي ظل هذه المخططات، والعدوان المستمر في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، واصل الاحتلال مساعيه لإعادة تشكيل المشهد التاريخي والثقافي للأراضي الفلسطينية، في وقت تواصل فيه السلطة الفلسطينية تحركاتها لحماية حقوقها التراثية عبر المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ”اليونسكو“.
”اليونسكو“ ترصد الانتهاكات وتطالب ببعثات عاجلة
في أحدث تطورات هذا الملف، رحبت وزارة الخارجية الفلسطينية باعتماد لجنة التراث العالمي التابعة لـ ”اليونسكو“، خلال دورتها الثامنة والأربعين، أربع قرارات بالإجماع تتعلق بحالة صون المواقع الخاصة بدولة فلسطين والمدرجة على قائمة التراث العالمي المهددة بالخطر.
وقالت الخارجية الفلسطينية إن القرارات جاءت ردًا على ما وصفته باستمرار إسرائيل، بصفتها قوة قائمة بالاحتلال، في ارتكاب انتهاكات ممنهجة وخطيرة بحق الممتلكات الثقافية الفلسطينية، بما في ذلك محاولات” التزوير والتشويه والتدنيس”.
وبحسب البيان، تتركز هذه الانتهاكات بشكل واضح في مدينة القدس المحتلة، من خلال تقويض حرية العبادة والوصول إلى الأماكن المقدسة، والمساس بالحق في التعليم، إلى جانب استمرار اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى.
ولوقف هذه الممارسات، شددت القرارات على ضرورة الإيفاد العاجل لبعثات” رصد تفاعلي“ إلى البلدة القديمة في القدس وأسوارها، وكذلك إلى البلدة القديمة في الخليل.
ومن المقرر أن تعمل هذه البعثات بالتعاون مع مركز التراث العالمي والمجلس الدولي للآثار والمواقع (ICOMOS)، بهدف إجراء تقييم مهني مستقل ورفع التوصيات اللازمة للحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في الأراضي المحتلة، بوصفه جزءًا من التراث الإنساني.
الكنيست يشرّع ”الضم“: إخضاع الآثار لمسؤولية إسرائيلية مباشرة
في المقابل، يأتي هذا التحرك الفلسطيني في أروقة الأمم المتحدة في وقت تشهد فيه الساحة الإسرائيلية تصعيدًا تشريعيًا يستهدف توسيع السيطرة الإسرائيلية على المواقع الأثرية في الضفة الغربية.
وفي 12 مايو الماضي، أقر الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى مشروع قانون ”هيئة التراث في يهودا والسامرة“، الذي قدمه عضو الكنيست عميت هليفي عن حزب ”الليكود“.
واقترح مشروع القانون إخضاع الآثار والمواقع التراثية والأثرية في الضفة الغربية لمسؤولية مباشرة للدولة الإسرائيلية، من خلال إنشاء هيئة قانونية تابعة لوزير التراث الإسرائيلي.
ووفقًا لبيان صادر عن الكنيست، يقترح المشروع تنظيم عمل الهيئة على غرار سلطة الآثار الإسرائيلية، بما في ذلك تعيين مجلس ومدير لها، وتخصيص ميزانية لأنشطتها ضمن ميزانية وزارة التراث.
كما يمنح المشروع الهيئة المقترحة صلاحيات تشمل التنقيب عن الآثار والمواقع التراثية وتطويرها وإدارتها، إلى جانب نزع ملكية الأراضي وحيازتها لهذا الغرض، والإشراف على المخالفات وإنفاذ القانون، وتجميع المعلومات الأثرية.
وقال الكنيست إن الملاحظات التفسيرية لمشروع القانون تنص على أنه يهدف إلى ”ترسيخ المسؤولية المباشرة للدولة“ عن التعامل مع الآثار والمواقع التراثية والأثرية في الضفة الغربية.
وحظي مشروع القانون بتأييد 23 عضوًا في الكنيست مقابل معارضة 14 عضوًا.
ويرى فلسطينيون أن نقل مسؤوليات إدارة المواقع الأثرية من ”الإدارة المدنية“ التابعة لجيش الاحتلال إلى هيئة مدنية إسرائيلية، مرتبطة بوزارة التراث، يمثل تغييرًا في الإطار القانوني والإداري الذي تُدار من خلاله هذه المواقع، ويمهّد لتكريس السيطرة الإسرائيلية عليها.
سبسطية نموذجًا: حين تصبح الآثار بوابة للسيطرة
لا يتوقف تأثير هذه التشريعات عند مناطق ”ج“ -التي تخضع لسيطرة أمنية وإدارية إسرائيلية كاملة- بل يمتد، وفق مخاوف فلسطينية، إلى مواقع أثرية عدة في الضفة الغربية، من بينها المنطقة الأثرية في بلدة سبسطية شمالي الضفة.
وتبلغ مساحة المنطقة الأثرية في البلدة نحو 4777 دونمًا، وتضم، وفق معطيات وزارة السياحة الفلسطينية، شواهد وآثارًا تعود إلى حضارات عربية وكنعانية ورومانية وبيزنطية وفينيقية وإسلامية.
ويرى الفلسطينيون أن مساعي حكومة الاحتلال لاستغلال هذه التشريعات قد تؤدي إلى طمس هذا التنوع الحضاري وفرض رواية واحدة على المكان، فضلًا عن تعزيز السيطرة الإسرائيلية على المواقع الأثرية والأراضي المحيطة بها.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن قرارات أصدرتها حكومة الاحتلال في 8 فبراير الماضي، استهدفت إحداث تغييرات واسعة في الواقع القانوني والمدني بالضفة الغربية، من خلال توسيع صلاحيات الرقابة الإسرائيلية لتشمل مناطق تديرها السلطة الفلسطينية، تحت ذريعة حماية المواقع الأثرية ومنع البناء غير المرخص.
تحذيرات من جرائم حرب وتنديد حقوقي من الداخل
في قراءة لتداعيات هذه الخطوات، قال حسن بريجية، مدير دائرة القانون الدولي في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إن نقل صلاحيات سيادية مدنية إلى الأرض المحتلة يمثل حلقة جديدة في مسار ما وصفه بـ ”الضم التدريجي“.
وأكد بريجية أن القانون الدولي لا يجيز مصادرة الأملاك الخاصة إلا في حالات ”الضرورة العسكرية“، معتبرًا أن مصادرة الأراضي لأغراض تراثية تمثل انتهاكًا لحقوق الفلسطينيين.
كما وصف نقل سكان مدنيين من المستوطنين لإدارة أراضٍ محتلة بأنه يرتقي إلى ”جريمة حرب“.
وتتقاطع هذه التحذيرات مع موقف منظمة ”عمق شبيه“ الحقوقية الإسرائيلية المعنية بحقوق الثقافة والتراث، التي قالت إن مشروع القانون لا يهدف إلى حماية الآثار بقدر ما يستخدمها أداة سياسية لدفع مخططات الضم.
وحذرت المنظمة من أن استمرار هذه السياسات سيزيد من عزلة إسرائيل على المستوى الدولي، فضلًا عن تأثيره في أسس البحث العلمي والتعامل مع المواقع الأثرية باعتبارها إرثًا إنسانيًا مشتركًا.
وبينما تتحرك السلطة الفلسطينية عبر المؤسسات الدولية للحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني للمواقع الأثرية، يتجه الاحتلال، وفق منتقدي مشروع القانون، إلى إعادة صياغة الإطار القانوني والإداري الذي يحكم إدارة هذه المواقع، في مسار يرون أنه يتجاوز حماية التراث إلى ترسيخ السيطرة على الأرض.
هل يدفع رصد ”اليونسكو“ لهذه الانتهاكات ومطالبتها بإيفاد بعثات عاجلة الاحتلال الإسرائيلي إلى التراجع عن مخططاته الاستيطانية التي تطال المواقع الأثرية والتراثية الفلسطينية، أم تستمر هذه السياسات، رغم القرارات الدولية والقانون الدولي، في مسارها نحو تكريس السيطرة على الأرض وفرض واقع جديد؟
المصادر:
* وكالة الأنباء العمانية
* الأناضول
* الجزيرة





