لماذا تفشل الدول في الوصول إلى الصناعات المتقدمة؟

تفشل دول كثيرة في بلوغ الصناعات المتقدمة حين ينفصل البحث العلمي عن حاجات الشركات، وتضعف الحوكمة، ويغيب التراكم المعرفي والمالي والبشري طويل الأمد.

عن الكاتب

ناصر الحارثي
ناصر الحارثي

مهتم بقطاع الأعمال والاقتصاد والمعرفة

لماذا تفشل الدول في الوصول إلى الصناعات المتقدمة؟
لماذا تفشل الدول في الوصول إلى الصناعات المتقدمة؟
أثير- ناصر الحارثي
لا تكاد توجد دولة حول العالم لا تملك وزارة أو هيئة متخصصة في القطاع الصناعي، بل تضع الدول الصناعات ذات المعرفة المتقدمة ضمن معاييرها الأساسية لقياس نجاح مشروعاتها التنموية؛ لذا لا غرابة في أن تجد هذا الهدف حاضر في الخطط والرؤى الوطنية، لكن الواقع يرسم صورة قاتمة لمعظم دول العالم، والبالغ عددها قرابة 197 دولة، فقطاع الصناعات المتقدمة يستدعي توافق عدد من العوامل الداخلية والخارجية، وهي عملية بطيئة تستمر على مدى عقود، ونتائجها غير مضمونة.
توجد الصناعة نفسها تحديات كبيرة أمام المؤسسات والدول التي نجحت في دخول السباق، فكيف بالدول التي لم تدخل المضمار أصلًا؟ فلكل منتج صناعي دورة حياة تبدأ بكونه منتجًا مبتكرًا يحظى بإقبال محدود، ثم يزداد وعي الناس بالمنتج والإقبال عليه، حتى يصل إلى مرحلة النضج، ثم الانحدار، وهذا ما يضع على سبيل المثال عددًا من شركات صناعة السيارات اليابانية مثل تويوتا وهوندا في موقف صعب، فقد استقرت لسنوات طويلة في مرحلة النضج، وصنعت حولها منظومة متكاملة من الشركات التي تعتمد على هذا القطاع، لذلك يُعد التحول إلى السيارات الكهربائية خيارًا عالي التكلفة لجميع الأطراف العاملة في هذا القطاع الحيوي.
سنحاول في هذا المقال استعراض عدد من العوامل الرئيسية التي تشير إليها الدراسات والأبحاث المعنية بتحليل السياسات الصناعية وأسباب النجاح والإخفاق.

حوكمة المؤسسات

يُعد هذا المعيار الأهم في قياس قدرة المؤسسات على الوصول إلى الصناعات المتقدمة، وتعود أهميته إلى اعتماد القطاع الصناعي على الدروس المستفادة من الأخطاء والتغذية الراجعة، وهناك العديد من الدول التي دخلت القطاع الصناعي واستطاعت تحقيق نجاحات أولية عبر تأسيس شركات صناعية. كما حصل في أمريكا اللاتينية، لكنها اكتشفت لاحقًا أنها أصبحت تعاني من تراكم سياسات تؤثر إما في مستقبل الشركة عند توقف الدعم، وإما في مستقبل الدولة بسبب الهدر المالي الكبير، وفي المقابل نجحت كوريا الجنوبية من خلال الموازنة بين مصلحة الشركة، عبر التزامها بالتدريب والتطوير، ومصلحة اقتصاد الدولة، من خلال التزام الحكومة بتقديم الدعم وفق خطة مدروسة وإطار زمني محدد.

الاستثمار في البحث والتطوير والبنية اللوجستية

تتسابق بعض الدول النامية في رفع مخصصات البحث والتطوير حتى تحقق تصنيفًا أعلى بوصفها بيئة محفزة للاستثمار في القطاع الصناعي، لكن هذه المخصصات تذهب إلى مؤسسات بحثية وأكاديمية تجري أبحاثًا غير ملائمة لطبيعة عمل الشركات. كما أن نماذج عمل الشركات تعتمد على صناعات تجميعية ذات معرفة محدودة، وتفتقر إلى الحاجة إلى البحث العلمي؛ ما يجعل المناخ العام منتجًا لبحوث تهدف إلى الترقية الوظيفية، لا إلى التراكم المعرفي الصناعي، ويكون بند البحث والتطوير أكثر البنود عرضة لخفض مخصصاته عند وقوع الأزمات، فيما تحاول الدول التي تستفيد منظومتها بصورة مباشرة من البحث العلمي، مثل كوريا الجنوبية، توظيفه في تعزيز تنافسية صناعاتها المتقدمة.
وقد استخدمت سنغافورة نموذج الاعتماد على الحلول اللوجستية المتكاملة في استقطاب استثمار أجنبي صناعي يندمج مع اقتصاد الدولة، وتمكنت من خلال هذا النموذج من تسخير إمكاناتها المحلية، كالاستثمار في التعليم لتطوير رأس المال البشري، والإمكانات الأجنبية، عبر استثمار المزايا والحوافز التي حصلت عليها من أمريكا والدول الغربية، في إيجاد منظومة لوجستية استثنائية. كما لا يمكن إغفال موضوع الحوكمة وتعزيز كفاءة أداء المؤسسات في التجربة السنغافورية.

سحب السلم من أمام الدول الصاعدة

تدرك الكثير من الدول الصناعية أن الصناعات المتقدمة تمثل أحد عوامل صعودها، وأنها لا تملك عصًا سحرية تمنع الدول الأخرى من الوصول إليها، فهي تحاول بشتى الطرق وضع سياسات تمنع دخول ركاب جدد إلى قطار الصناعات المتقدمة، ومن أمثلة ذلك احتكار المعرفة هي بعض قوانين حماية الملكية الفكرية، وسن القوانين التي تمنع استخدام الهندسة العكسية، إلى جانب منع وصول بعض التقنيات الحديثة إلى بعض الدول، كما نرى اليوم في صناعة أشباه الموصلات والتنافس بين أمريكا والصين.

العقوبات والقيود الجيوسياسية

أبرز النماذج الراهنة هما روسيا وإيران؛ إذ قيّدت العقوبات وصول الصناعات الروسية إلى عدد من الأسواق، فيما أضعفت العقوبات الأمريكية قدرة النظام الإيراني على استثمار المعرفة الموجودة لدى رأس المال البشري في مجالات الطاقة وعدد من الصناعات؛ لذلك، يُعد هذا العامل قهريًا لدى بعض الدول، لكنه -بصورة عامة- محدود التأثير في بقية دول العالم، فالدول ذات النفوذ لا تمنعك من صناعة السيارات الكهربائية، لأن هذه الدول، التي تتهم بالهيمنة، تعاني هي نفسها المنافسة الشديدة في هذا القطاع.

حرق المراحل في الصناعة

دخلت المانيا قطاع الصناعة متأخرة نوعا ما مقارنة بإنجلترا وفرنسا، لذلك كانت تعرف في البداية أنها بلد الصناعات الرخيصة وذلك قبل الحرب العالمية، وفي فترة الحرب الباردة انتشر هذ المسمى في إيطاليا، ثم عرفت به الصين وهي التي أصبحت الآن تنافس أمريكا في تقنيات الذكاء الاصطناعي، لذلك فإن الوصول إلى الصناعات المتقدمة يتطلب الدخول في جزء معين من السوق وفي مجال محدد ودقيق في الصناعة وليس المنافسة الشاملة لأنها مستحيلة خصوصًا للدول الصغيرة، ولأن الإتقان في أي صناعة متقدمة يحتاج تراكم معرفي ومالي وبشري طويل.
في الختام تمكنت كل دولة صناعية من الولوج إلى قطاع الصناعات المتقدمة بنموذج مختلف عن الدول الأخرى، وقد تحفزنا قصص النجاح إذ كانت كوريا الجنوبية في عام 1960 أفقر من موزمبيق، إلا أن الدروس المستفادة من الدول التي فشلت في الوصول إلى الصناعات المتقدمة أكثر بكثير، لأن الدول الناجحة مرت بمراحل بطيئة، فقد كانت صناعاتها بسيطة، ونجاحاتها نسبية ومتغيرة بناءً على التغذية الراجعة، أما الدول التي فشلت، فكانت دروسها قاسية، وإخفاقاتها مدوية، وأفضى أثرها إلى عدم استقرار سياسي واقتصادي وأحيانا فقدان ثقة المجتمع بالمشروعات الوطنية.

شارك هذا الخبر