أثير - ريما الشيخ
يدخل مشترٍ إلى إحدى صالات السيارات في مسقط، وفي ذهنه مجموعة من الأسماء التي اعتاد سماعها منذُ سنوات، يبحث عن سيارة عائلية، فيبدأ الموظف بعرض الخيارات أمامه، لكن هذه المرة، لا تقتصر القائمة على العلامات المعروفة مثل اليابانية والكورية، فأسماء صينية عديدة أصبحت حاضرة في الصف نفسه، وبعضها لم يكن قبل سنوات ضمن الخيارات التي يفكر فيها المشتري أصلًا.
يتوقف أمام إحدى السيارات، سعرها أقل من بعض المنافسين، ومقصورتها مليئة بالشاشات والتقنيات، وضمانها يمتد لسنوات، ثم ينتقل إلى طراز هجين، وبعده إلى سيارة كهربائية، وما كان في السابق خيارًا يحتاج إلى كثير من التردد، أصبح اليوم جزءًا معتادًا من المقارنة قبل اتخاذ قرار الشراء.
ولا يتوقف المشهد عند صالات البيع، ففي “خزائن” هناك مشروع لتجميع وإنتاج السيارات، وفي صلالة تُدرس إقامة منشأة صناعية مرتبطة بالقطاع، بالتزامن مع توسع البنية الأساسية للمركبات الكهربائية وطرح توطين تقنيات صناعة السيارات ضمن المشروعات الاستثمارية.
خلال خمس سنوات فقط، تغيرت الصورة إلى حد واضح، لكن هل يعني هذا أن السيارات الصينية أعادت فعلًا رسم خريطة السوق العُماني، أم أن ما نشهده ما يزال مرحلة توسع أولى ستختبرها السنوات المقبلة؟
سوق يقترب من مليوني مركبة
يأتي هذا التحول في وقت يواصل فيه سوق المركبات في سلطنة عُمان نموه، فقد بلغ إجمالي عدد المركبات المسجلة بنهاية يونيو 2026 قرابة 1,9 مليون مركبة، بزيادة 5.5% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
وكانت المركبات الخاصة صاحبة النصيب الأكبر، بأكثر من 1,5 مليون مركبة، مقابل 281 ألف مركبة تجارية، وقرابة 45 ألف مركبة تأجير وحوالي 29 ألف سيارة أجرة.
هذه الأرقام لا تكشف وحدها من كسب حصة أكبر ومن تراجع، لكنها توضح أن المنافسة تجري داخل سوق يتسع عامًا بعد آخر، ومع اقتراب عدد المركبات المسجلة من مليوني مركبة، لا تبقى المنافسة محصورة في بيع السيارة نفسها، بل تمتد إلى التمويل والتأمين والصيانة وقطع الغيار والخدمات التي يحتاج إليها المالك طوال فترة الاستخدام.
توسع الحضور الصيني
شهدت المركبات الصينية في سلطنة عُمان نموًا منذ عام 2022، وبدأت مبيعاتها تتخطى المركبات اليابانية التي كانت لها حصة كبيرة؛ ففي عام 2022، ومن بين 64 ألف مركبة خفيفة، جاءت MG في المركز الثالث من حيث أكثر المركبات مبيعًا بحسب Focus2Move، لتسجل 5,157 مركبة، بزيادة بلغت 50.3 بالمائة عن العام السابق، وبحساب مبيعاتها من إجمالي السوق، بلغت حصتها نحو 8 بالمائة.
وبينما تراجعت أعداد المركبات المُباعة في عام 2023 إلى إلى 55,547 مركبة، لكن MG لم تتراجع معه، بل تقدمت إلى المركز الثاني بعد تويوتا، وسجلت 5,131 مركبة، لترتفع حصتها المحسوبة إلى نحو 9.2 بالمائة، وفي العام نفسه سجلت هيونداي 3,744 مركبة.
وشهد عام 2024 اتساع الحضور الصيني عبر علامات أكثر، فقد سجلت شانجان 1,813 مركبة، وجيتور 1,474 مركبة، وجيلي 794 مركبة، وهافال 224 مركبة، وجريت وول 83 مركبة، وتانك 76 مركبة، ليبلغ مجموع هذه العلامات الست 4,464 مركبة، وبإضافة MG، التي سجلت 3,784 مركبة خلال العام نفسه وفق بيانات Cartea، يصل مجموع هذه العلامات إلى 8,248 مركبة من أصل 65,883 مركبة ضمن العلامات التي يرصدها الموقع، أي نحو 12.5 بالمائة، وهذه النسبة ناتجة عن حساب بيانات الموقع، وليست نسبة رسمية منشورة من جهة حكومية.
وتكشف بيانات الطرازات أيضًا جانبًا من المنافسة، فقد جاءت MG 5 في المرتبة الثالثة بين السيارات الأكثر مبيعًا في تصنيف Cartea لعام 2024 بعد تويوتا هيلوكس وفورتونر، مسجلة 1,743 مركبة، ومتقدمة على تويوتا كورولا التي سجلت 1,604 مركبات، كما سجلت جيتور T2 نحو 723 مركبة.
وفي 2025، أصبحت الصورة أكثر لفتًا، فقد بلغ حجم السوق وفق Focus2Move نحو 75,343 مركبة، وصعدت جيتور سبعة مراكز لتصبح ثالث أكبر علامة في السوق العُماني، بعد نمو مبيعاتها بنسبة 171.2 بالمائة، بينما جاءت MG في المركز الخامس، وظلت تويوتا في الصدارة بحصة بلغت 47.8 بالمائة.
أما خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، فقد بلغ إجمالي المبيعات 38,050 مركبة، مع تراجع السوق ككل بنسبة 4 بالمائة، ومع ذلك، سجلت عدة علامات صينية نموًا لافتًا، صعدت جيتور إلى المركز الثاني ونمت مبيعاتها بنسبة 36.2 بالمائة، وارتفعت شانجان بنسبة 21.4 بالمائة، وهافال 75.4 بالمائة، وقفزت BYD بنسبة 353.8 بالمائة، وفي المقابل، انخفضت مبيعات MG بنسبة 36.4 بالمائة.
هذه الأرقام توضح أن الحديث لم يعد عن علامة صينية واحدة تحاول إيجاد موطئ قدم في السوق، ففي 2022 كانت MG الاسم الصيني الأبرز بين المراكز الأولى، بينما أصبحت جيتور بعد أربع سنوات في المركز الثاني، بالتوازي مع صعود شانجان وهافال وBYD وغيرها.
من الاستيراد إلى التجميع والإنتاج
الحضور الصيني لم يعد يُقاس بعدد السيارات المباعة فقط، ففي مايو 2026، وقعت مدينة خزائن الاقتصادية مع مجموعة سبروس الصينية اتفاقية لإنشاء مركز متطور لتجميع وإنتاج السيارات في سلطنة عُمان، بطاقة إنتاجية متوقعة تتراوح بين 2,899 و3,218 مركبة سنويًا.
ويسعى المشروع لاستخدام تقنيات حديثة تشمل الذكاء الاصطناعي والروبوتات في خطوط الإنتاج، إلى جانب إنتاج سيارات كهربائية وهجينة موجهة للسوق المحلي ولأسواق الشرق الأوسط وأفريقيا. ولا يقف المشروع عند فكرة إنتاج السيارة نفسها. فوجود عمليات تجميع وتصنيع داخل السلطنة يعني أن جزءًا من سلسلة القيمة يمكن أن ينتقل معها، من النقل والتخزين والخدمات اللوجستية إلى الكوادر الفنية والموردين والأنشطة المساندة.
ويتضمن المشروع كذلك دعم صناعات مغذية لقطاع السيارات، من بينها بعض قطع الغيار والمستلزمات، إلى جانب تدريب 20 مواطنًا عُمانيًا تدريبًا مقرونًا بالتوظيف في المرحلة الأولى. وإذا انتقل المشروع إلى التشغيل وفق الطاقة المعلنة، فقد يكون أثره أوسع من عدد السيارات التي ستخرج من خطوط الإنتاج، خصوصًا إذا نجح في استقطاب موردين وشركات خدمات وصناعات مرتبطة بالقطاع.
صلالة تدخل المشهد
وفي صلالة، ظهر مسار آخر خلال نوفمبر 2025، عندما وقعت شركة مدينة صلالة العالمية وشركة جيانغسو تشانغ هونغ للمعدات الذكية الصينية اتفاقية لإعداد دراسة الجدوى الفنية والاقتصادية لإنشاء مصنع سيارات في الولاية. وعلى الرغم من أن المشروع لايزال في مرحلة الدراسة، إلا أن هذه الشركة متخصصة في خطوط إنتاج وتجميع السيارات، ولديها خبرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، كما أشارت إلى أن موقع صلالة وبنيتها الأساسية يمكن أن يؤهلاها لتكون مركزًا لتصنيع السيارات وتصديرها إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا.
وهنا تصبح فكرة إنشاء المصنع مرتبطة بما هو أبعد من حجم السوق العُماني؛ إذ يمكن للموقع والميناء والشبكة اللوجستية أن تمنح المشروع إمكانية الوصول إلى أسواق خارجية أوسع.
شركات صينية تدخل حسابات التوطين
الاهتمام بالتصنيع لم يقتصر على خزائن وصلالة، فخلال زيارة وفد من وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار إلى الصين، شملت الجولة المقر الرئيس لشركة BAIC، واطلع الوفد على ما طورته الشركة في السيارات الكهربائية والذكية وأنظمة النقل الحديثة. كما جرى بحث فرص إقامة مشروعات مشتركة لتجميع أجزاء السيارات وتصنيعها في سلطنة عُمان، ضمن توجه نحو استقطاب صناعات تعتمد بصورة أكبر على التكنولوجيا، وتفتح في الوقت نفسه فرصًا في مجالات الهندسة والتكنولوجيا الرقمية.
وهنا يظهر تغير آخر في طبيعة العلاقة مع شركات السيارات الصينية، فالحديث لم يعد يدور فقط حول وكيل محلي وصالة عرض ومركز صيانة، وإنما أصبح يشمل توطين التكنولوجيا، وتصنيع المكونات، وربط الشركات المحلية بسلاسل توريد أوسع. كما ربطت الوزارة بين الطاقة المتجددة وتوطين تقنيات المركبات، وهو توجه ينسجم مع التحول العالمي في صناعة السيارات نحو البطاريات والبرمجيات والإلكترونيات والمركبات الكهربائية.
المركبة الكهربائية تغير قواعد المنافسة
يزداد تأثير هذا التحول عند النظر إلى المركبات الكهربائية، ففي مايو 2026، أعلنت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات أن عدد المركبات الكهربائية في سلطنة عُمان تجاوز 5,800 مركبة بنهاية الربع الأول، بالتزامن مع خطة لتركيب 350 نقطة شحن كهربائي بحلول عام 2027.
وتظهر بيانات Focus2Move أن مبيعات المركبات الكهربائية ارتفعت خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 بنسبة 70.8 بالمائة، وأصبحت تشكل 8.5 بالمائة من مبيعات السوق التي يرصدها الموقع. وكانت العلامات الصينية حاضرة بوضوح في هذا النمو؛ إذ ارتفعت مبيعات BYD بنسبة 353.8% ، وجيتور في فئاتها الكهربائية بنسبة 166.2%، مع ظهور أسماء أخرى مثل iCAR وDenza.
قطع الغيار والصيانة.. الاختبار بعد الشراء
ومع نمو مبيعات السيارات الصينية، يبدأ اختبار مختلف بعد الشراء: توفر قطع الغيار، وسرعة الصيانة، وانتشار مراكز الخدمة، وقدرة الوكلاء على التعامل مع الأعطال والحوادث.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع المركبات الكهربائية والهجينة التي تحتاج إلى تجهيزات وخبرات خاصة للتعامل مع البطاريات والأنظمة الإلكترونية، لذلك تكتسب خطط تطوير مراكز الصيانة، إلى جانب الصناعات المغذية التي يتضمنها مشروع خزائن، أهمية مباشرة في تقليل الاعتماد على الخارج وتسريع توفير بعض المكونات مستقبلًا.
ما بعد المنافسة؟
في سوق السيارات، يبدأ الاختبار الحقيقي في مرحلة ما بعد الشراء، حين تظهر الحاجة إلى الصيانة وقطع الغيار، ويبدأ المستهلك في تقييم التجربة بعيدًا عن العروض الأولى والمغريات التي تعرض لها. ولهذا ستكون السنوات المقبلة أكثر أهمية من مرحلة الانتشار الأولى، خصوصًا مع انتقال الحضور الصيني في سلطنة عُمان من البيع إلى التجميع والتصنيع والتصدير.




