من خام يُصدّر إلى قيمة تُدار: ماذا وراء تدشين أول شحنة من خام الكروم العُماني؟

دشّنت الشركة العُمانية لتجارة المعادن شحنة من 50 ألف طن عبر ميناء صحار، بعد تنظيم التسويق والتصدير لإعطاء السوق المحلية الأولوية وتعزيز القيمة المضافة.

عن الكاتب

محمد العريمي
محمد العريمي

محرر وكاتب صحفي

من خام يُصدّر إلى قيمة تُدار: ماذا وراء تدشين أول شحنة من خام الكروم العُماني؟
خام الكروم
أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
أعلنت الشركة العُمانية لتجارة المعادن أمس تدشين أول شحنة متكاملة من خام الكروم العُماني، بكمية تبلغ 50 ألف طن، عبر ميناء صحار، في خطوة تفتح فصلًا جديدًا في مسيرة تسويق وتصدير المعادن في سلطنة عُمان، بعد نجاح الشركة في تصدير أكثر من 1.8 مليون طن من الجبس العُماني عبر 32 سفينة إلى 11 دولة.
لكن أهمية الشحنة لا تكمن في كميتها وحدها، بل في المسار الذي سبقها، إذ تقف خلفها منظومة جديدة بدأت عُمان في بنائها لإدارة وتسويق خاماتها المعدنية، بدءًا من تنظيم التصدير، مرورًا بإعطاء السوق المحلية الأولوية، وصولًا إلى رفع القيمة المضافة وتعزيز القدرة على التفاوض في الأسواق العالمية.

فكيف تغيّرت المعادلة؟

البداية

في 27 مايو 2025م، أصدرت وزارة الطاقة والمعادن القرار الوزاري رقم 18/2025، الذي منح الشركة العُمانية لتجارة المعادن صلاحية تنظيم تسويق وتصدير المعادن في سلطنة عُمان.
ولم يكن القرار مجرد إنشاء جهة جديدة للتصدير، بل جاء ضمن مسار أوسع لإعادة تنظيم منظومة إدارة المعادن ومعالجة تحديات وصفتها الوزارة بالهيكلية، في مقدمتها تعدد الوسطاء وغياب آليات التسويق المتخصصة، وهي عوامل أسهمت في تراجع الأسعار رغم ارتفاع حجم الإنتاج.
وكشفت الأرقام حجم الموارد التي كانت تقف خلف هذا التحدي؛ ففي عام 2024 بلغ إنتاج الجبس نحو 14 مليون طن من خلال 15 ترخيصًا تعدينيًا ساريًا، فيما بلغ إنتاج خام الكروم نحو 300 ألف طن من خلال 29 ترخيصًا.
أي أن المشكلة لم تكن في ندرة الخام، وإنما في كيفية إدارته وتسويقه وتحويل وفرة الإنتاج إلى عائد اقتصادي أكبر.
وكما أوضح الدكتور صلاح بن حفيظ الذهب، مدير عام الاستثمارات بوزارة الطاقة والمعادن، فإن غياب التنسيق وتعدد الوسطاء وتفاوت الأسعار أثّرت في تنافسية المنتج العُماني، رغم ارتفاع الإنتاج وجودة الخامات.

قرار لإعادة ترتيب الطريق إلى السوق

جاء القرار لتتولى جهة وطنية تنظيم العملية، وجمع الكميات، وتوحيد المواصفات والعقود، والتفاوض مع المشترين الدوليين بصورة أكثر احترافية، بدلًا من أن يتجه كل منتج إلى السوق منفردًا.
وبموجب القرار، تتولى الشركة العُمانية لتجارة المعادن، التابعة لشركة تنمية معادن عُمان، إدارة الصادرات بشكل مركزي، بما يشمل توحيد العقود والمواصفات والتفاوض مع المشترين الدوليين.
وفي المقابل، وضع القرار ضوابط واضحة على تصدير خامي الجبس والكروم، أبرزها إعطاء الأولوية لتلبية احتياجات السوق المحلية قبل النظر في عمليات التصدير.
أما خام الكروم المُصدّر، فلا تقل نسبة تركيزه عن 36%، في حين يمكن تصدير الكروم المعالج بمختلف نسب التركيز، شريطة الحصول على موافقة الوزارة.
وهنا تظهر الفكرة الأهم في القرار: ليس المطلوب فقط استخراج الخام، بل تعظيم قيمته قبل أن يغادر البلاد، فالاشتراطات الجديدة تجعل المعالجة ورفع التركيز جزءًا من المعادلة الاقتصادية، بدل الاكتفاء باستخراج الخام وبيعه في صورته الأولية.

عام كامل لتغيير المسار

منحت الوزارة الشركات فترة انتقالية مدتها عام كامل، تتيح لها إنهاء عقودها القائمة واستيعاب آلية التسويق الجديدة، وكان الموعد المستهدف لتفعيل النظام رسميًا في مايو 2026م.
ومن جانبها، بدأت الشركة العُمانية لتجارة المعادن في بناء أدواتها التشغيلية، إذ أعلن المهندس مطر بن سالم البادي، الرئيس التنفيذي لشركة تنمية معادن عُمان، أن الشركة تعمل على تطوير منظومة تشمل تسجيل الموردين، وعقود الشراء، وآليات تسعير تستند إلى مؤشرات عالمية، إلى جانب خدمات لوجستية مرتبطة بالتوريد والشحن.
كما أعلنت الشركة عن برنامج لتسجيل الموردين والمشترين يبدأ في الربع الثالث من عام 2025، تمهيدًا لتفعيل النظام في مايو 2026، ولهذا، لم يكن إنشاء الشركة منفصلًا عن القرار، بل كان جزءًا من بناء منظومة متكاملة يفترض أن تنقل عملية بيع المعادن من تعدد القنوات إلى نموذج أكثر مركزية وتنظيمًا.

من النص إلى التطبيق

في 9 فبراير 2026م، وخلال ملتقى ”معًا نتقدم”، عاد معالي المهندس سالم بن ناصر العوفي، وزير الطاقة والمعادن، إلى ملف تصدير الكروم، مؤكدًا أن تصدير الكروم سيتوقف ابتداءً من منتصف عام 2026م إذا كانت نسبة تركيزه أقل من 36%، موضحًا أن الهدف من معالجة المواد هو توريدها أيضًا إلى المصانع المحلية.
حديث معاليه لا ينشئ شرط الـ 36% من جديد، فالشرط كان منصوصًا عليه أصلًا في القرار الصادر في مايو 2025، لكن تصريح فبراير أعطى صورة أوضح عن الانتقال من الإطار التنظيمي إلى التطبيق الفعلي، وربط الشرط بهدف أوسع يتمثل في المعالجة وتوفير الخامات للصناعة المحلية.
وفي المداخلة نفسها، وصف معاليه سوق تصدير المواد الخام بأنه يعاني من ”تشوه“، مشيرًا إلى أن بعض صغار التجار يسعون إلى الربح السريع من خلال بيع المواد للوسطاء، في وقت يمكن أن يؤدي فيه رفع تركيز بعض المواد إلى مضاعفة قيمتها.

لماذا التركيز مهم؟

قد تبدو نسبة 36% للوهلة الأولى رقمًا فنيًا، لكنها في سياق القرار تحمل دلالة اقتصادية واضحة، فعندما يرتبط تصدير خام الكروم بحد أدنى من التركيز، يصبح الاستثمار في عمليات الفرز والمعالجة ورفع الجودة أكثر أهمية، وتزداد فرص إبقاء جزء أكبر من القيمة داخل الاقتصاد المحلي.

وهذا يفتح 3 مسارات في وقت واحد:

  • قيمة مضافة أكبر: المعالجة تعني أن المنتج لا يغادر السلطنة في صورته الأولية بالضرورة، وإنما بعد إضافة مرحلة ترفع قيمته.
  • دعم الصناعة المحلية: إعطاء السوق المحلية الأولوية يتيح توجيه جزء من الخامات إلى المصانع قبل التفكير في تصديرها، وهو ما يدعم استقرار سلاسل الإمداد الصناعية.
  • قدرة تفاوضية أقوى: عندما تتجمع الكميات وتتوحد المواصفات وتدار المفاوضات بصورة مركزية، يصبح المنتج العُماني في موقع أفضل عند التفاوض مع المشترين، بدل تشتت المنتجين وتعدد الوسطاء.
وهذه الأهداف وردت بوضوح في القرار وتصريحات المسؤولين المصاحبة له، من رفع القيمة التسويقية للمنتج العُماني إلى تحسين القدرة التفاوضية وتعزيز شفافية الأسعار.

ماذا تقول تجارب الدول المنتجة للكروم؟

توضح تجارب الدول المنتجة للكروم أن امتلاك الخام لا يعني بالضرورة الاحتفاظ بأكبر قيمة منه.
تُعد جنوب أفريقيا أكبر منتج عالمي لخام الكروم، وصدّرت منه نحو 5.2 مليار دولار (نحو ملياري ريال عُماني) في 2024 -وفق هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) -، بما يزيد على 76% من الصادرات العالمية من الخام غير المعالج، لكن قطاع الفيروكروم، الأعلى قيمة، يواجه تحديات في المصاهر المحلية، وتراجعت صادراته 44.57% حتى يونيو 2026.
في المقابل، لم تتجاوز صادرات كازاخستان من خام الكروم غير المعالج 116 مليون دولار (نحو 44.6 مليون ريال عُماني) في 2023، فيما تركز على تحويل الخام إلى فيروكروم، وجذبت في 2026 استثمارًا بقيمة 1.4 مليار دولار (نحو 538 مليون ريال عُماني) إلى هذا القطاع.
التجربتان تضعاننا أمام حقيقة واضحة: القيمة لا تتحدد بكمية الخام المستخرج، بل بما يُضاف إليه قبل تصديره.

من ”المنجم“ إلى ”الميناء“: من يدير الرحلة؟

في النموذج القديم، كان المنتج يستخرج الخام ثم يدخل في سلسلة من عمليات البيع والتفاوض، بينما كان تعدد الوسطاء وغياب التسويق المتخصص من أبرز المشكلات التي أشارت إليها الوزارة.
أما في النموذج الجديد، فهناك جهة مركزية تتولى جانبًا أساسيًا من الرحلة التجارية، فالشركة العُمانية لتجارة المعادن هي الذراع التابعة لشركة تنمية معادن عُمان والمكلفة بتنظيم تسويق وتصدير الخامات المشمولة بالقرار، مع توحيد العقود والمواصفات والتفاوض مع المشترين الدوليين.
وهذا لا يعني أن دور الشركة يقتصر على تمرير الشحنات، بل إن فلسفة إنشائها تقوم على بناء قدرة تسويقية وتجارية تستطيع قراءة الأسواق، وتجميع الكميات، وتحسين شروط البيع، وربط عمليات التصدير بالاحتياجات المحلية والقيمة المضافة.

شحنة صحار؛ ماذا تعني؟

اليوم، ومع تدشين شحنة الـ 50 ألف طن من خام الكروم عبر ميناء صحار، تنتقل القصة إلى مرحلة مختلفة، فالشحنة تأتي بعد قرار تنظيمي، وفترة انتقالية، وبناء منظومة للتسجيل والتعاقد والتسعير، ثم بدء التطبيق الفعلي للنظام.
وبالتالي، فإن شحنة الكروم لا تبدو حدثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في مسار بدأ مع الجبس ويتجه إلى توسيع الدور التجاري للشركة في إدارة الصادرات المعدنية.
والأهم أن النموذج الجديد لا يتعامل مع التصدير باعتباره نهاية الرحلة، بل نتيجة لسلسلة تبدأ من المورد، وتمر بالمواصفات والتجميع والتسعير والتفاوض، وتضع احتياجات السوق المحلية والقيمة المضافة ضمن الحساب.

شارك هذا الخبر