أثير - محمد الدغيشي
في تجربة ترويجية مختلفة لسلطنة عُمان في لندن، كان الحضور العُماني في الشارع وليس في قاعات مغلقة فقط، على واجهات المباني، وحافلات لندن، ومركبات الأجرة، وفي مساحة عرض لا تستقبل المارة فقط، وإنما وصول مُحدد إلى مستثمرين وأصحاب الثروات والشركات المحتملة، لتُجيب على سؤال: لماذا يمكن أن تكون سلطنة عُمان مكانًا للزيارة والاستثمار، وربما للعيش أيضًا؟
هذه هي المساحة التي تحاول حملة “عيش عُمان” أن تشغلها، تقديم سلطنة عُمان بوصفها وجهة تجمع الاستقرار وجودة الحياة والفرص الاقتصادية، في وقت يتزامن فيه الحضور العُماني المكثف في لندن مع ترقب الزيارة السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى المملكة المتحدة في أكتوبر المقبل، وهو ما يمنح هذا النشاط بعدًا يتجاوز الترويج العقاري إلى صورة أوسع للعلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين.
ثلاث رسائل تحت مظلة واحدة
لا يمكن قراءة “عيش عُمان” باعتبارها حملة عقارية منفصلة عن بقية الجهود الترويجية لسلطنة عُمان، فالمشهد الذي قُدّم في لندن يجمع ثلاث مسارات: “عيش عُمان” بما تحمله من فرص للعيش والتملك، و“اكتشف عُمان" التي تقدم التجربة السياحية، و“استثمر في عُمان" التي تخاطب رأس المال والمستثمر الباحث عن الفرص.
هذا التقاطع يصنع رسالة أكثر اتساعًا، فالشخص الذي يزور سلطنة عُمان سائحًا قد يعود إليها مستثمرًا، والمستثمر قد يبحث لاحقًا عن إقامة أو مسكن، والكفاءات المهنية التي تستقطبها السوق تحتاج بدورها إلى مدينة وخدمات ومدارس ونمط حياة قادر على إقناعها بالبقاء، ومن هنا تبدو الحملة أقرب إلى تسويق “تجربة دولة” من تسويق منتج عقاري واحد.

ولهذا جاء الحضور في شارع أكسفورد عبر متجر “Future Stores” في صورة معرض مفتوح على الجمهور، بينما حملت الحافلات ومركبات الأجرة الرسالة نفسها إلى مساحات أوسع من المدينة، لتنتقل الحملة من انتظار الزائر إلى ملاحقته بصريًا في تفاصيل يومه.
حتى اسم “Live Oman” يؤدي وظيفة مباشرة، فهو لا يطلب من المتلقي أن يزور سلطنة عُمان لأيام ثم يعود، وإنما يضع أمامه تصورًا آخر يرتبط بالحياة والإقامة والاستثمار والاستقرار طويل الأمد، وهي زاوية مختلفة عن الحملات السياحية التقليدية.
حين تتحول الصورة إلى حكاية شخصية
لكن الإعلانات وحدها لا تصنع الانطباع، وهذا ما كشفته بعض التفاعلات داخل المعرض، فمن بين المارة من كانت لديه تجربة سابقة مع سلطنة عُمان، ومنهم من ارتبط اسمها لديه بالأمان وحسن التعامل وجودة الحياة.
أحد الزوار تحدث عن ابنته التي عادت من سلطنة عُمان بذكريات إيجابية بعد وجودها فيها خلال فترة إقليمية حساسة، بينما تحدث آخر عن تفكيره في الانتقال إليها متأثرًا بما سمعه عن المجتمع ونمط الحياة.
قد تبدو هذه المواقف بسيطة، لكنها تكشف جانبًا مهمًا في التسويق الحديث للدول، فالصورة الذهنية لا تتشكل من الإعلان الرسمي وحده، وإنما من تجربة الزائر، وحكاية المقيم، وما ينقله الناس بعضهم إلى بعض، وهنا تتحول السمعة الوطنية إلى أصل اقتصادي يمكن أن يدعم السياحة والاستثمار واستقطاب المهارات.
من 9% إلى 50%.. من الذي تريد المدن استقطابه؟
تتقاطع هذه الرسالة مع تحول آخر تعمل عليه سلطنة عُمان في تخطيط مدنها واقتصادها، فمخطط مسقط الكبرى لا ينظر إلى النمو السكاني باعتباره زيادة عددية فقط، وإنما يربطه بنوعية السكان والوظائف والكفاءات التي تحتاج إليها العاصمة مستقبلًا.
ومن بين المؤشرات المرتبطة بهذا التوجه رفع نسبة العمالة الماهرة من نحو 9% إلى 50% ضمن المستهدفات المستقبلية، وهو فارق كبير إذا تحقق، لأنه يعني أن المدينة لن تتنافس على جذب رؤوس الأموال فقط، وإنما على جذب الأشخاص القادرين على تشغيل اقتصاد أكثر معرفة وإنتاجية.
وهنا تكتسب “عيش عُمان” معنى أوسع، فاستقطاب صاحب المهارة أو المستثمر لا ينتهي بإقناعه بفرصة عمل أو مشروع، إذ يحتاج إلى سكن مناسب، ومدارس، وخدمات، ومساحات عامة، وبيئة آمنة، وقدرة على التنقل، وجودة حياة تجعل قرار الانتقال قابلًا للاستمرار.
الاختبار يبدأ بعد الحملة
الاهتمام الذي تحظى به الحملة في لندن يمثل بداية، لكن القيمة الاقتصادية الحقيقية ستظهر في ما يحدث بعدها، كم استفسارًا سيتحول إلى زيارة، وكم زيارة ستتحول إلى شراء أو استثمار، وكم مستثمرًا سيعود إلى سلطنة عُمان لاستكشاف فرصة أكبر، وكم شركة مشاركة ستنجح في بناء علاقة طويلة الأمد مع السوق البريطانية؟

فوجود المشروعات العُمانية في لندن يختصر المسافة بينها وبين المستثمر، ويمنح الشركات فرصة للبيع والتواصل المباشر واختبار اهتمام السوق، لكن نجاح التجربة لا يقاس بحجم الظهور الإعلاني وحده، وإنما بما يمكن تتبعه لاحقًا من صفقات وزيارات واستثمارات وقرارات إقامة أو تملك.
سلطنة عُمان تروي قصتها من لندن
ما يجري في لندن يقدم نموذجًا مختلفًا للترويج، إذ حضرت سلطنة عُمان لتروي قصتها بنفسها، فهي تعرض مشروعاتها وعقاراتها وسياحتها وفرصها الاستثمارية في مساحة واحدة، وتستخدم الشارع والإعلام والتجربة المباشرة للوصول للجمهور.
ومع اختتام الحملة نهاية هذا الأسبوع، ستفتح فصلاً جديدًا تنتقل فيه من الحضور الإعلامي والترويجي، إلى علاقات اقتصادية واستثمارية، وما سيأتي بعدها.





