عادةٌ ألِفها جلالة السلطان: ما مفهوم ”التوقيت الإنجليزي“؟

عادةٌ ألِفها جلالة السلطان: ما مفهوم ”التوقيت الإنجليزي“؟
عادةٌ ألِفها جلالة السلطان: ما مفهوم ”التوقيت الإنجليزي“؟
أثير - محمد الدغيشي
”وهم يسهمون في بناء وطننا، ويمدّون جسورًا بين شعبي البلدين تزداد رسوخًا مع تعاقب الأجيال. ولقد كان لي من هذه التجربة الشخصية ما أعتزّ به؛ فحين كنتُ في ريعان الشباب، ألِفتُ تلك العادة الوطنية المعروفة بـ“التوقيت الإنجليزي”.
بهذه الكلمات، استحضر جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه-، في كلمته السامية خلال مأدبة العشاء الرسمية التي أقيمت في قلعة ويندسور، يوم أمس، في إطار زيارة ”دولة“ التي يقوم بها جلالته إلى المملكة المتحدة، ذكرى شبابه في بريطانيا.
لم يتحدث جلالته - أيده الله- عن الجامعات العريقة وحدها، بل عن عادة تعلّمها هناك وبقيت معه: الالتزام بالموعد؛ والعُمانيون يعرفون هذا التعبير جيدًا؛ فحين يُقال ”على التوقيت الإنجليزي“، يفهم الجميع أن الموعد موعد، وأن الدقيقة محسوبة.

لماذا ”إنجليزي“ بالذات؟

لأن الإنجليز ليسوا أكثر الناس حرصًا على الوقت فحسب، بل إن بريطانيا أسهمت في إرساء نظام التوقيت الذي أصبح مرجعًا للعالم. ومن هنا، يستحق التعبير أن نبحث عن جذره.

قصة بدأت بالقطارات لا بالفلاسفة

لم يكن الزمن، حتى وقت قريب من تاريخ البشرية، كيانًا واحدًا متفقًا عليه، بل كان شيئًا محليًا مرتبطًا بالشمس وهي تعلو سماء القرية أو المدينة. وكان في أميركا الشمالية وحدها أكثر من 140 ”وقتًا محليًا“ قبل عصر السكك الحديدية.
ثم جاء القطار فقلب المعادلة. عاشت كل مدينة بتوقيتها الخاص، فارتبكت الجداول، وتصادمت القطارات، وضاعت الرحلات. ففي أربعينيات القرن التاسع عشر، واجهت شركات السكك الحديدية البريطانية صعوبة في إعداد جداول موحّدة ومفهومة، فاعتمدت عام 1847 ”وقت السكك الحديدية“ المحسوب على أساس توقيت مرصد غرينتش. وفي عام 1880، أصبحت بريطانيا أول دولة تعتمد وقتًا موحّدًا رسميًا، وهو ما عُرف بتوقيت غرينتش. وهكذا، لم تكن الدقة لدى البريطانيين ترفًا أخلاقيًا في البداية، بل ضرورة فرضها عصر السرعة.

كيف فاز خط غرينتش بالصفر؟

لا يوجد في الطبيعة خط طول ”أول“؛ فخطوط الطول كلها متساوية، وما يميّز أحدها هو الاتفاق البشري. وقبل القرن التاسع عشر، اختارت كل دولة بحرية كبرى خطها الخاص: باريس لفرنسا، ونابولي لإيطاليا، وقادس لإسبانيا، حتى بلغ عدد الخطوط الرئيسية 11 خطًا على الأقل.
ثم جاءت الساعة البحرية التي ابتكرها جون هاريسون. فتحديد خط الطول في عرض البحر يتطلب معرفة الوقت في ميناء آخر في اللحظة نفسها، وقد حلّ هاريسون هذه المشكلة بساعة لا تتأثر بتمايل السفن ولا بتغيّر الحرارة. وبفضلها، صارت خرائط غرينتش الملاحية معيارًا عالميًا.
وفي مؤتمر واشنطن عام 1884، اجتمع ممثلو 21 دولة، وجاء التصويت لصالح غرينتش بشبه إجماع؛ إذ عارضته دولة واحدة هي جمهورية الدومينيكان، فيما امتنعت فرنسا عن التصويت.

الأرض تدور، والعالم يتفق

الفكرة بسيطة: تدور الأرض 360 درجة في 24 ساعة، أي بمعدل 15 درجة لكل ساعة. وعلى هذا الأساس، قُسّم العالم إلى مناطق زمنية، وكانت شركات السكك الحديدية في الولايات المتحدة وكندا أول من طبّق هذا النظام فعليًا عام 1883.
وتقع سلطنة عُمان إلى الشرق من غرينتش، ويسبق توقيتها توقيت غرينتش بأربع ساعات. وهكذا، يجمع الطالب العُماني في بريطانيا بين ساعتين: ساعة بلده وساعة غربته.

ساعة تتقدم وساعة تتراجع: لغز التوقيت الصيفي

في بريطانيا، تُقدَّم الساعة ساعة واحدة في مارس، وتُؤخَّر في أكتوبر من كل عام، ويُنصح القادم الجديد بالانتباه إلى مواعيد التبديل. والتوقيت الصيفي فكرة حديثة نسبيًا؛ إذ طُبّق لأول مرة خلال الحرب العالمية الأولى لتوفير الطاقة، ثم عاد في سبعينيات القرن العشرين مع أزمات الطاقة.
لكن هذه الفكرة لم تكن حلًا مثاليًا؛ فقد أربكت المواعيد الدولية والطيران والاتصالات والأنظمة البنكية، وأثّرت في الساعة البيولوجية للإنسان. ولا تعتمد دول الخليج التوقيت الصيفي، ومنها سلطنة عُمان، التي تحافظ على توقيتها طوال العام.
ويعيش العُماني الذي يدرس في بريطانيا مفارقة طريفة: فبلده ثابت على ساعته طوال العام، بينما تقدّم بريطانيا ساعتها وتؤخّرها مرتين كل عام، ويبقى هو ملتزمًا بموعده في الحالتين.

ما الذي يتعلمه شاب عُماني في المملكة المتحدة عن الوقت؟

التأخر عن الموعد يُعدّ قلة احترام: في البيئات الرسمية والتجارية، يُشدد على الالتزام بالمواعيد، ويُعدّ الوصول قبل الموعد بخمس دقائق مثالًا مثاليًا.
وسائل النقل تُضبط بالدقيقة: القطارات والحافلات دقيقة نسبيًا، ويُعدّ التأخير الذي يتجاوز خمس دقائق كبيرًا.
حياة منظّمة بالساعة: تعمل البنوك غالبًا من الساعة 9:30 صباحًا إلى 4:30 مساءً، وتغلق الدوائر الحكومية عند الخامسة مساءً، ويُقدَّم شاي ما بعد الظهيرة بين الثالثة والخامسة.
فصل بين العمل والحياة الخاصة: يميل البريطانيون إلى تجنّب التواصل خارج ساعات العمل، ولا يستحبّون الزيارات المفاجئة.
ووصفت الأستاذة إيرين ماير، من المعهد الأوروبي لإدارة الأعمال، المملكة المتحدة بأنها من أكثر دول العالم انضباطًا في المواعيد. وتكون النظرة إلى غير الملتزمين بالمواعيد سلبية، حتى لو كانت نواياهم طيبة.
وحتى رمزها الأشهر، ساعة بيغ بن، يُضبط بحيث لا يتجاوز خطؤها بضع ثوانٍ في العام، فيما يجري تبديل الحرس أمام قصر باكنغهام في مواعيد محددة منذ عقود.

كيف تحوّلت الدقة إلى ”فضيلة“؟

قد يبدو الالتزام بالموعد خُلقًا فطريًا، لكن التاريخ يقول غير ذلك. فالمؤرخ البريطاني إ. ب. تومبسون، في دراسته ”الزمن، وانضباط العمل، والرأسمالية“، يشرح أن المجتمعات ما قبل الصناعية كانت تعيش وفق ”الوقت الطبيعي“: فالفلاح يعمل حين ينضج محصوله، والحرفي يواصل مهمته حتى ينتهي منها أو يتعب. ومع الرأسمالية، لم يعد العمل يُقاس بانتهاء المهمة، بل بانتهاء الساعات المخصصة له في المصنع.
ويُعتقد أن إحدى المحطات المبكرة في هذا التحول كانت مدينة كولونيا الألمانية، التي نُصبت فيها ساعة عمومية عام 1370. وبعد أربع سنوات، سُنّ قانون يحدد بداية يوم العمل ونهايته، ويخصص ساعة واحدة للغداء. وخلال جيل واحد، أصبحت الساعة تحدد أوقات العمل والراحة والعودة إلى المنزل.
ولم يكن إقناع العمال الأوائل بالتخلي عن إيقاعهم الطبيعي سهلًا. فبدأت مؤسسات كبرى، كالكنائس والمدارس، تروّج للدقة واستغلال الوقت بوصفهما واجبًا مدنيًا وفضيلة أخلاقية، وتعدّ البطء والتأخر خطيئة. وفي عام 1891، ذهب كتالوج إحدى شركات الساعات إلى أن الالتزام بالمواعيد هو الفضيلة الأولى لمن ينشد النجاح، وأن التخلف عن ركب الزمن هو خطيئته الكبرى.
وهنا تتضح مفارقة لطيفة: فما نسميه اليوم ”أدبًا“ و”احترامًا" لوقت الآخر، كان في جذره تدريبًا طويلًا على الانضباط الصناعي. وقد وصف باحثون هذا المسار بـ”تسليع الوقت”، أي تحويله إلى شيء يُباع ويُشترى ويُقدَّر بالمال، حتى صار للساعة وزن في المصنع لا يملكه الظل على الجدار.

الوجه الآخر للساعة

لا يغيب عن النقاد أن لهذه الدقة ثمنًا. فالفيلسوف الألماني هارتموت روزا يرى أن أحد أشد وجوه التسارع الاجتماعي قسوة هو فقدان الإحساس بالزمن نفسه، فيما يذهب الفيلسوف بيونغ تشول هان إلى أن المبالغة في شعارات الإنجاز والإنتاج تدفع الإنسان المعاصر إلى الاغتراب والاكتئاب وتوبيخ الذات. أما الباحث الأميركي جوناثان كراري، فيرى أن الرأسمالية تتبرم حتى من النوم، لأنه آخر مساحة زمنية لا تخضع بالكامل لمنطق السوق.
وفي المقابل، يدعو الكاتب الكندي كارل أونوريه، في كتابه ”في مديح البطء“، إلى استعادة فن التمهّل: القراءة والمشي والحِرف اليدوية والتأمل. ويقترح آلان دو بوتون أن التحديق من النافذة ليس إهدارًا للوقت، بل تمرين على استكشاف ما في أذهاننا.
والعاقل لا يرى في هذا تناقضًا مع ”التوقيت الإنجليزي“؛ فالفرق كبير بين أن تحترم موعد الآخر، وأن تُسلّم حياتك كلها لإيقاع الساعة. الأولى أدب، والثانية سباق لا ينتهي.

ما وراء الساعة: الوقت عند أسلافنا

ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك أن الدقة الزمنية بضاعة غربية وصلت إلينا. فقد أعطت الحضارة الإسلامية الوقت مكانة مركزية، وربطت العبادات بالمواقيت، فصار ضبط الوقت ضرورة يومية. وعرف الفلكيون المسلمون ”ساعات الاستواء“ المتساوية قبل أوروبا بقرون، وأرّخ المؤرخون للأحداث بالساعات وأجزائها. ومن ذلك أن البيروني قرن رصده للكسوف والخسوف بالساعات والدقائق؛ لأن أي خطأ بسيط كان يفسد الحساب الفلكي كله.
فحين يعود الشاب العُماني من بريطانيا بعادة ”التوقيت الإنجليزي“، فهو يستعيد قيمة قديمة في تراثه، ويمنحها صيغة جديدة.

جسر من دقائق

بين خط غرينتش الذي لا وجود له في الطبيعة وخط الاتفاق البشري، وبين شاب عُماني يقف في محطة قطار بلندن قبل الموعد بخمس دقائق، خيط واحد: الزمن شيء نتفق عليه، والاحترام يبدأ من احترام وقت الآخر.
وربما هذا ما قصده جلالة السلطان حين جعل من ”التوقيت الإنجليزي“ عادة يعتز بها؛ فالجسور بين الشعوب لا تُبنى بالمعاهدات وحدها، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تنتقل مع الطلاب إلى أوطانهم، وأولها أن تكون في الموعد. ويبقى علينا أن نحسن الموازنة، فنحفظ الدقة التي تحترم الناس، ونحتفظ في الوقت نفسه بمساحة للتمهّل الذي يحترم أنفسنا.

شارك هذا الخبر