طهران وواشنطن: التصعيد سيد الموقف

تقترب طهران وواشنطن من حافة مواجهة جديدة وسط تهديدات وتحشيد عسكري واستعدادات إيرانية، بينما تحاول الدوحة وإسلام آباد فتح قنوات تفاوض تحول دون اندلاع الحرب.

عن الكاتب

الركابي حسن يعقوب
الركابي حسن يعقوب

كاتب وصحفي سوداني

طهران وواشنطن: التصعيد سيد الموقف
إيران وأمريكا
أثير- الركابي حسن يعقوب
بعد انقضاء الانتخابات في إسرائيل وقرب بدء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي التي ستبدأ الثلاثاء القادم، تتعالى نبرة التصعيد والتهديدات المتبادلة ما بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، ومع كل ساعة تنقضي من العد التنازلي للانتخابات النصفية الأمريكية تزداد مؤشرات واحتمالات العودة إلى الصدام ومربع الحرب في ظل تمسك الطرفين بمواقفهما المعلنة من قبل.
الوضع الراهن ينذر بمآلات كارثية، حيث يزداد الطرفين إصراراََ على المضي بالأزمة نحو حافة الهاوية ، وتشتد لعبة عض الأصابع بينهما دون أن تلوح في الأفق أي بوادر قد تجعل إمكانية العودة للمسار التفاوضي خيارًا مرجحاََ.
في معسكر واشنطن - تل أبيب، تبدو الصورة واضحة وهي الاتجاه نحو التصعيد فقد صرح الرئيس ترامب وما يزال يصرح بأنه يعتزم شن هجوم مكثف قصير المدى على إيران بعد الانتخابات، وميدانياََ عملت أمريكا على تكثيف التحشيد العسكري في المنطقة بصورة غير مسبوقة، حيث شمل التحشيد عشرات الآلاف من القوات ووصول حاملات طائرات ومدمرات ، ووجهت واشنطن تحذيرات لحلفائها بالمنطقة بضرورة الاستعداد لردود فعل إيرانية محتملة رداََ على هجمات أمريكية باتت وشيكة.
وعلى صعيد إسرائيل فالصورة أكثر وضوحًا، حيث تستعد حكومة نتنياهو لتوجيه ضربة لإيران بالتنسيق مع الجانب الأمريكي، ولا ترغب تل أبيب في عودة حليفتها الإستراتيجية للمسار التفاوضي مع إيران، حيث أن ذلك يتعارض كلية مع استراتيجيتها تجاه إيران، والتي تقوم على ليس فقط تغيير النظام فيها، وإنما تدميرها كدولة تعتبرها مهدداََ كبيراً لأمنها القومي وتدمير قدرتها على إنتاج سلاح نووي وتطوير قدراتها التقليدية الدفاعية والهجومية على حد سواء. ومن المعلوم من حرب أمريكا وإيران بالضرورة أن إسرائيل هي التي دفعت أمريكا إلى شن الحرب عليها تحت ذريعة منعها من إنتاج أسلحة نووية تزعم تل أبيب أنها كانت قاب قوسين أو أدنى من اكتمال إنتاجها.
ويزداد إصرار نتنياهو على الحرب على إيران هذه الأيام بعد ظهور نتائج الانتخابات، حيث برزت حاجة نتنياهو وكتلته الليكود إلى رفع مستوى شعبيته وتقوية نفوذه وموقفه من خلال توجيه ضربة عسكرية لإيران تكون له رصيداََ ودعماََ، وتتحمل أمريكا تبعاتها.
وعلى جبهة إيران، فقد وجّه المرشد الأعلى الإيراني بالاستعداد للرد الفوري على أي تهديد يستهدف البلاد، مؤكداً ضرورة التعامل السريع مع أي تحرك يُشكّل خطراً على الأمن الإيراني بشكل فوري وفعال وشامل، وتحديث بنك أهداف يشمل المصالح الأمريكية في المنطقة كافة، ومن دون أي قيود جغرافية، على حد تعبيره. وعلى ضوء هذا التوجيه رفعت الأجهزة الأمنية والعسكرية حالة الاستتار والاستعداد، وصرح محسن رضائي فيما يبدو رداََ غير مباشر على رسالة جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي، بالقول أن بلاده لن تدخل في أي مفاوضات مباشرة مع أمريكا ما لم تقبل بشروط إيران السبعة ، وظلت طهران تتمسك بهذا الشرط ولم تبدِ حياله أي مرونة وهو ما يضع الجانب الأمريكي في زاوية ضيقة ومحك يصعب عليه الخروج منه بسهولة ودون تقديم تنازل يفتح الباب نحو مسار التفاوض.
وتبدو طهران أكثر ميلاََ للمواجهة مع أمريكا بسبب فقدانها الثقة فيها، نتيجة لتجربتها معها بشأن الوعود والالتزامات التي تنصلت عنها مراراََ ولا ترى جديداََ يمكن أن يغير نهجها هذا حتى الوقت الراهن، لذلك يقوم الموقف الإيراني على أن تأتي المبادرة من الجانب الأمريكي كضمانة تجعل طهران تخطو الخطوة التالية، بمعنى أن تقبل واشنطن بالشروط الإيرانية وتتبع هذا القبول بخطوة عملية على الأرض تطمئن بها طهران على مصداقية واشنطن وعزمها على السير بجد في مسار التفاوض، كما أن حرص إسرائيل على دفع ترامب لاستئناف الحرب يظل أكبر مزعزع لثقة إيران في الجانب الأمريكي.
وفي خضم أجواء وأنواء التصعيد المتسارع التي تخيم على المنطقة، تبذل كل من اسلام اباد والدوحة جهوداََ مضنية ومتسارعة لتبديد غيوم التصعيد بفتح قنوات تفاوضية تمنع انزلاق الطرفين إلى الحرب، ويبدو إيقاع الجهود القطرية أكثر سرعة وأكثر تناغماََ مع تطورات الأحداث وأكثر قرباََ من الطرفين الإيراني والأمريكي حيث تسعى الدوحة بقوة لتمهيد الطريق لعقد لقاءات مباشرة بين الإيرانيين و الأمريكيين، لكن المشكلة في مثل هذه اللقاءات أنها سلاح ذو حدين، حد أول إيجابي مأمول أنه قد يختصر الطريق للتوصل إلى تفاهمات يمكن البناء عليها فيما لو اتحدت إرادتَي الطرفين للأخذ بالمسار السلمي، والحد الثاني سلبي وغير مرغوب فيه هو أن اللقاءات المباشرة قد تقضي على ما تبقى من فرص للسلام فيما لو استمسك كل طرف بموقفه وتعنت فيه وبالتالي فإن عودتهما مرة أخرى للمفاوضات تصبح ضرباََ من المستحيل خاصة وأن كل طرف يحتاج إلى ما يحفظ له ماء وجهه ولا يظهره بمظهر المهزوم.
وبقدر حجم التعقيد الذي يشوب الموقف بين الطرفين، إلا أن هناك في نفس الوقت مستوى لا يستهان به من عناصر تذليل وتفكيك هذا التعقيد، والمنطق يقول بأن مبدأ التفاوض يقوم على فكرة التسوية، والتسوية تقوم على فكرة التنازل المتبادل، والسؤال الجوهري في هذا الشأن هو أي من الطرفين يتعين عليه البدء بتقديم التنازل؟
والإجابة ليست عصية بالطبع، فالطرف المعتدي هو الذي يتعين عليه المبادرة بتقديم التنازل كبادرة حسن نية ودليل على الرغبة في إزالة آثار عدوانه.
غير أن أي جهود ومساعي لإحياء المسار التفاوضي ستصطدم بالجدار العازل الإسرائيلي الذي يقف سداََ منيعاََ في وجه هذه المساعي، فما لم تتحرر الإدارة الأمريكية الحالية من ربقة الهيمنة الإسرائيلية على صناعة واتخاذ القرار في البيت الأبيض فإن هذه الجهود ستروح أدراج الرياح وتسود إرادة الحرب وتتراجع إرادة السلام وما لم يسارع العقلاء في البيت الأبيض إلى تدارك الأمر خلال ما تبقى من وقت فإن الصراع مرشح للانزلاق في أتون حرب ستشمل عواقبها الجميع بلا ا

شارك هذا الخبر