أثير - ريما الشيخ
على بُعد آلاف الكيلومترات من سلطنة عُمان، وفي مدينة صينية عُرفت قديمًا باسم “زيتون”، يقف مصلّى يحمل بصمة السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- إلى جوار أحد أقدم المساجد التاريخية في الصين. فقد تكفّل السلطان الراحل ببنائه من ماله الخاص، ليكون هدية بمناسبة مرور ألف عام على تأسيس المسجد، في مبادرة بدأت بطلب نقله سفير عُماني، وانتهت بافتتاح المصلّى عام 2009م.
وكان وراء هذه الهدية احتياج عملي للمصلين، بعدما فقدت قاعة الصلاة التاريخية سقفها قبل قرون، وأصبحت الحاجة قائمة إلى توفير مساحة أوسع لأداء الصلاة، مع المحافظة على المعالم الأثرية للمسجد.
مبادرة بدأت بزيارة سفير عُماني عام 2006م
تعود تفاصيل المبادرة إلى عام 2006م، عندما زار سفير سلطنة عُمان لدى الصين مسجد تشينغجينغ (Qingjing Mosque)، المعروف أيضًا باسم “مسجد الأصحاب”، واطّلع على رغبة القائمين عليه في إنشاء قاعة صلاة جديدة تستوعب أعدادًا أكبر من المصلين.
ووفقًا لتقرير نشرته وكالة أنباء شينخوا الصينية، نقل السفير هذه الرغبة إلى السلطان قابوس -طيّب الله ثراه-، الذي استجاب بتقديم الدعم المالي لبناء المصلّى في الجهة الشرقية من المسجد.
وبدأت أعمال المشروع في أكتوبر 2007م، وبحلول سبتمبر 2008م كان الهيكل الرئيسي قد اكتمل، فيما استمرت أعمال التشطيبات الداخلية وتهيئة المساحات المحيطة به.
وفي 30 أكتوبر 2009م، أُقيم حفل افتتاح المصلّى بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى الألفية لتأسيس المسجد، بحضور سفير سلطنة عُمان لدى الصين آنذاك، الشيخ عبدالله بن صالح بن هلال السعدي، ومسؤولين من مقاطعة فوجيان، وممثلين عن المجتمع الإسلامي المحلي.
500 ألف دولار ومصلّى يتسع لأكثر من 500 شخص
بحسب حكومة مدينة تشوانتشو، بلغت المساهمة الشخصية للسلطان قابوس -طيّب الله ثراه- في المشروع 500 ألف دولار أمريكي أي أكثر من 190 ألف ر.ع، وأُقيم المصلّى ضمن مساحة تزيد على 2300 متر مربع، فيما بلغت المساحة المبنية نحو 480 مترًا مربعًا.
وصُمّم المبنى ليستوعب أكثر من 500 مصلٍّ، مستلهمًا طابعه المعماري من قاعة الصلاة التاريخية في المسجد، المعروفة باسم “فِنغتيان” (Fengtian Hall)، مع استخدام الأقواس المدببة والعناصر المستوحاة من العمارة الإسلامية.
وكانت القاعة القديمة تمتد على مساحة تقارب 600 متر مربع، وتضم 12 عمودًا حجريًا، لم يبقَ منها سوى 9 أعمدة متضررة، بعدما انهار سقفها إثر زلزال ضرب مدينة تشوانتشو عام 1607م، ولم يُعَد بناؤه.
ولهذا أُنشئ المصلّى الجديد ضمن مجمّع المسجد، دون إعادة بناء القاعة الأصلية أو المساس ببقاياها الأثرية.
مسجد أسسه مسلمون عرب عام 1009م
يقع مسجد تشينغجينغ في شارع تومن بمدينة تشوانتشو التابعة لمقاطعة فوجيان جنوب شرقي الصين، ويُعد من أقدم المساجد التاريخية الباقية في البلاد.
وتشير المعلومات الرسمية الصينية إلى أنه تأسس عام 1009م، خلال عهد أسرة سونغ، بتمويل من مسلمين عرب كانوا يقيمون في المدينة.
واستلهم بناؤه الطراز المعماري الإسلامي في مدينة دمشق، بينما تشير النقوش العربية الموجودة فوق بوابته إلى اسمه القديم “مسجد الأصحاب”، وتوثّق مراحل إنشائه وترميمه.
وفي عام 1310م، شهد المسجد أعمال ترميم واسعة على أيدي مسلمين قدموا من مدينة شيراز الفارسية، أسهمت في تشكيل جانب من معالمه المعمارية القائمة اليوم.
وترتبط نشأة المسجد بمكانة تشوانتشو بوصفها واحدة من أبرز الموانئ الآسيوية القديمة، التي استقبلت التجار والبحارة من العالم العربي وبلاد فارس ومناطق أخرى عبر طريق الحرير البحري.
من التجار العرب إلى أحفادهم في الصين
لم يقتصر الحضور العربي والإسلامي في تشوانتشو على السفن التي وصلت إلى مينائها، فقد استقر بعض التجار المسلمين في المدينة، وأقاموا أحياءً سكنية حول المساجد، وتزوجوا من السكان المحليين، لتنشأ مجتمعات احتفظت ببعض تقاليدها الدينية والثقافية عبر الأجيال.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “تشوانتشو ديلي” وأعادت الحكومة المحلية نشره عام 2021م، فإن المدينة تضم عشرات الآلاف من المنحدرين من أصول عربية، ولا تزال بعض العائلات تقيم بالقرب من المسجد، وتحافظ على شعائر ومناسبات إسلامية، منها صلاة الجمعة وعيدا الفطر والأضحى.
وأشار التقرير إلى عائلات تحمل أسماء صينية مثل “بو” و”دينغ” و”غو”، يعود بعض أسلافها إلى المجتمعات المسلمة التي استقرت في المنطقة منذ قرون، وأصبحت جزءًا من النسيج الاجتماعي للمدينة.
نقوش عربية ومرسوم إمبراطوري عمره أكثر من 600 عام
يحتفظ المسجد بمجموعة من الشواهد الحجرية التي توثق تاريخ الوجود الإسلامي في الصين، ومنها بوابته المبنية من الحجر، التي تتميز بأقواس متتابعة ونقوش عربية تسجل مراحل من تاريخه.
ويضم أيضًا لوحًا حجريًا يحمل مرسومًا أصدره الإمبراطور الصيني يونغله عام 1407م، خلال عهد أسرة مينغ، يأمر فيه بحماية المسلمين ومساجدهم وعدم التعرض لهم أو الاعتداء عليهم.
كما يحتوي على نقوش قرآنية وتذكارية، وقاعة تاريخية تُعرف باسم “مينغشان”، كانت تُستخدم للصلاة بعد تعرض القاعة الرئيسية للأضرار.
وحظي المسجد بحماية رسمية مبكرة، إذ أُدرج عام 1961م ضمن أول قائمة صينية للمواقع الأثرية الرئيسية المحمية على المستوى الوطني.
المسجد ضمن قائمة التراث العالمي
في يوليو 2021م، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” مدينة تشوانتشو ضمن قائمة التراث العالمي، تحت عنوان “تشوانتشو: مركز التجارة العالمي في الصين خلال عهدي سونغ ويوان”.
وشمل الإدراج مسجد تشينغجينغ إلى جانب المقابر الإسلامية القديمة ومعالم أثرية أخرى توثق تاريخ المدينة البحري والتنوع الثقافي والديني الذي عرفته.
وتوضح اليونسكو أن تشوانتشو كانت مركزًا بحريًا بارزًا خلال الفترة من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الميلاديين، وشكّلت محطة مهمة في حركة التواصل بين الصين ومناطق متعددة من العالم.
أعمال ترميم شملت المصلّى عام 2025م
وفي تطور حديث، خضع عدد من مرافق مسجد تشينغجينغ لأعمال ترميم وصيانة خلال عام 2025م، شملت المصلّى الذي موّله السلطان قابوس -طيّب الله ثراه-، إلى جانب قاعة “مينغشان” التاريخية والمتحف الملحق بالمسجد.
وذكرت صحيفة “تشوانتشو ديلي” في 22 مايو 2025م أن هذه المرافق أُغلقت مؤقتًا أمام الزوار، ونقلت عن جمعية المسلمين في تشوانتشو أن إعادة فتحها ستُحدد بعد اكتمال أعمال الصيانة.
وفي فبراير 2026م، أعلنت حكومة تشوانتشو أن المسجد سيستأنف استقبال الزوار بصورة اعتيادية اعتبارًا من 17 فبراير، بعد إغلاقه يومي 15 و16 فبراير بمناسبة عطلة رأس السنة الصينية، مع تحديد مواعيد خاصة للزيارة خلال شهر رمضان.
وبذلك استمر استقبال الزوار في المسجد التاريخي، الذي يضم المصلّى المموّل من عُمان، بعد أكثر من ألف عام على تأسيسه ومروره بمراحل متعاقبة من البناء والترميم والحفاظ على معالمه الأثرية.





