د. رجب بن علي العويسي
في عالم التقنية والفضاءات المفتوحة بما يحمله من فرص وهواجس وطموحات ورغبات ومعطيات ومستجدات، تطال كل مفردات الحياة اليومية للإنسان بات على التعليم أن يسلك دروبا أخرى أقرب إلى الواقعية، ومسارات أكثر احترافية تصنع منه استحقاقات على الأرض، تنقل المتعلم من الاستهلاكية إلى الإنتاجية، ومن انتظار ما يمن به المعلم عليه من معلومات إلى اكتشافها والمبادرة فيها والبحث عنها، ولم تعد عملية التدريس اليوم في شكلها الحالي قادرة على سبر أعماق الواقع واحتياجات الطلبة ورسم صورة مشرقة للحياة والمستقبل لديهم وإخراجهم من حالة الاحباطات والسلبية في ظل شعور بعدم العدالة عندما يتجه التعليم إلى استئصال المواهب وتحجيم القدرات وتكافؤ الفرص من أنظمة تقييمه وسلم تقديراته، كما لم تعد عملية التعليم والتعلم مقتصرة على الموقف الصفي والمعلم في ظل تنوع المواقف والنماذج الصفية المصغرة التي يصنعها الواقع الافتراضي والمواقف الحياتية التي يعايشها الطالب في مجتمعه ومحيطه الكوني، إذ ليس من العدل والإنصاف والموضوعية والشفافية أن يبقى تقويم الطالب مقتصر على الورقة الامتحانية وإثبات تفوقه بما يحصل عليه من درجة كمية، لتحدد مصيره وتثبت حضوره وتبرز تفوقه.
وبالتالي ما يعنيه ذلك كله من أن مسؤولية التعليم في ظل هذه المعطيات أكبر من تدريس الطالب واثقال كاهله بالمعلومات، بقدر ما هو تعلم الطالب لفنون الحياة وإستراتيجياتها من منظور الواقع والحدس بالتوقعات، ليصبح التدريس وسيلة لإذكاء روح المنافسة واستشعار فرص التنبؤ بالمتغيرات القادمة في ببيئة العمل والإنتاج ووظائف المستقبل وجودة الحياة والتسويق للمهارات وبناء القدرات وصناعة القدوات بما يستدعيه ذلك من نهضة للفكر التعليمي، تخرج الطالب من التكرارية ووقوعه ضحية الهدر والفاقد التعليمي والاجترار المعرفي، والتي باتت جراثيم خطيرة تنهض في جسم التعليم وقواعده، وهواجس مشينة للمتعلم تمنع قدرته من التفكير والتأمل والبحث والتكيف مع الواقع وما يصاحبها من تذبذب فكري في قراءة المستقبل وحالة من الخوف باتت تصاحب المتعلم في مقاعد الدراسة لمجرد التفكير في التخرج، وهو يرى أفواج الخريجين الباحثين عن عمل من حملة التعليم الجامعي والدبلوم المتوسط والدبلوم العام في صفوف الانتظار.
وعليه يطرح التحول في دور التعليم في بناء المهارة وصقل الموهبة مبررات مقنعة لإعادة إنتاج المواهب الوطنية وإدارة فرصها الاستثمارية وحقنها بأنسولين المهارات للمحافظة على عالميتها وواقعيتها واستدامتها وكفاءة منتجها، إذ لم تعد المسألة اليوم مقتصرة على دور التعليم في التعامل مع هذه المواهب وتنشيطها وتعميق فرص وجودها في بيئات التعليم، بل أيضا عبر إدماجها في مهارات الحياة ومحاكاتها للواقع ، الأمر الذي سيعيد لها الحيوية والمرونة والحركة والحياة، لتصبح مهارات داعمة لجودة الحياة، وصناعة المستقبل، وضامنة لاستدامة ممارسة الموهبة، وقدرتها على التأثير الفعال في الواقع، وحصولها على فرص أكبر للاستمرار في حياة الفرد والمجتمع، لذلك لم تعد مسألة إدارة وإنتاج المواهب وصقلها والتثمير فيها وترقيتها وخلق روح التغيير فيها ورفع درجة الحماس نحوها، حالة وقتية مزاجية بقدر ما هي خيار إستراتيجي يجب أن يعمل نظام التعليم الوطني على تحقيقه لبلوغ مستهدفات رؤية عمان 2040، بحيث تكون إدارة المواهب جزءًا أصيلًا في فلسفة عمله وسياساته وخططه، فيعليها في برامجه، ويجد لها من الأساليب والأدوات المبتكرة ما يسهم في إحيائها وإنعاشها في حياة الطلبة، وإعادة هيبة الحضور لهذه الفرص الكامنة واستثارتها ونقلها إلى حيز التفعيل، لتشكل ثنائيا عمليا ومحطة تحول في قدرات الطلبة والممكنات لديهم وامتلاكهم مهارات الحياة، وبدورها تسهم المهارات الناعمة التي تتوج بها المواهب، في إعادة الحياة لهذه المواهب عبر حسن توجيهها، وإعادة صقلها وإضافة مساحة الاستثمار الواعد فيها وعندها يصبح على التعليم في ظل ذلك أن يعيد فلسفة التدريس والبرامج والمناهج لتتجه نحو الاستثمار الأمثل لهذه المواهب، وإخراجها من إطارها الفلسفي والثقافي الضيق، وتحويلها من كونها حالة استهلاكية يدفع فيها الطالب وقته وجهده وماله، إلى أن أصبحت في ظل اندماجها مع المهارات الناعمة فرصة استثمارية، ومشروعا اقتصاديا واعدا يوجههم نحو عالم العمل والاقتصاد والإنتاج.
من هنا كان على التعليم الوطني اليوم بكل مستوياته ومراحله وأنواعه أن يجسد الطموحات الوطنية كبوابة للمستقبل، وأن يجد في إعادة إنتاج وإدارة وتطوير المواهب الوطنية مساحة أمان لهندسة المنتج التعليم، واستشراف الصورة الذهنية الإيجابية للمتعلم حول مستقبله، وماذا بعد تخرجه، والمسار الوظيفي التي يمكّنه من إثبات ذاته وإعادة ترتيب أولوياته، ليجد فيها مساحة أمل يحط فيها رحاله ويبني مستقبله، فإن قدرة التعليم على إحداث هذا التناغم وخلق روح التآلف والترابط بين المواهب الفطرية والمهارات المكتسبة، وقدرة التعليم على استيعاب ذلك في مناهجه وطرائق تدريسه، ودور المعلم والموقف التعليمي وثقافة الصف الدراسي، محطة اختبار لقدرة التعليم على إنتاج شخصية المواطن، وتقديم نموذج حضاري متكامل لمواطن موهوب ملهم منتج قادر على العيش في عالم متغير وظروف صعبة ويمتلك من الموجهات والإستراتيجيات ما يصنع لوجوده قوة، ولموقفه حضورا وأهمية.
أخيرا يبقى ما تطالعنا به منصات التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي والتقليدي بمختلف فنونه من نتائج تأهل أبناء عمان وبناتها من طلبة المدارس والجامعات ومشاركاتهم في المسابقات الدولية والعربية والخليجية والوطنية في مختلف الأنشطة الفردية والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والأمن المعلوماتي والعلوم والرياضيات واللغة العربية وفنونها المختلفة والشعر والخطابة والابتكار والبحث العلمي ومهارات القرن الحادي والعشرين وبراءات الاختراع وغيرها كثير مصدر فخر وإعزاز واعتراف يعكس هذا التجدد الحاصل في المواهب العمانية الشابة، وشغف العطاء والمبادرة والتجديد والابتكار الذي تنطلق منه في قراءة المستقبل واستشراف أدواته وتشكيل ملامحه، ويبقى التساؤل ماذا بعد هذا كله.. هل ستقرأ مؤسسات التعليم والاقتصاد والمال والابتكار والبحث العلمي وغيرها من المنظومات المجتمعية في تأهل أبناء عمان وبناتها خليجيا وعربيا وعالميا علامة فارقة في العمل معا على احتواء المواهب الوطنية وإعادة إنتاجها وحفزها والاستثمار فيها لضمان استمرارية عطائها من أجل عمان المستقبل ومستهدفات رؤيتها الطموحة؟





