الروائي العربي واسيني الأعرج يكتب لـ “أثير”: لَوْ فَقَطْ كُنْتُ حَيَوانًا خُرَافِيًا…

في نص منشور عام 2022، يروي طفل من مخبئه فوق شجرة مشاهد استجواب والده وتعذيبه بحثا عن أسلحة، فيما يعجز عن الصراخ ويتخيل قوة خرافية تنقذ والده من محنته.

عن الكاتب

واسيني الأعرج
واسيني الأعرج

روائي وأكاديمي جزائري

الروائي العربي واسيني الأعرج يكتب لـ “أثير”: لَوْ فَقَطْ كُنْتُ حَيَوانًا خُرَافِيًا…
الروائي العربي د.واسيني الأعرج

أثير- الروائي العربي واسيني الأعرج

” لا يمكن أن يتخلى الله عن والدي، في هذا الظرف الصّعب”
قلت في أعماقي وأنا أرى الشمس تنسحب من الدائرة التي شلكتها حوله، تاركة مكانا لظل مشوب بالخوف، اجتاح المساحة بسرعة، كأن غيمة سوداء سرقت الشمس لحظتها.
مرة أخرى أغمضت عيني منتظرا الفرج الإلهي الذي سينزل حتما كالصاعقة عليهم في شكل قوة مدمرة تشتتهم في كل الاتجاهات. تعصف بهم كخرق بالية في الفراغات، وأستمتع وأنا أرهم يتهاوون من الأعلى كالصخور البركانية الميتة، ويتمزقون إلى مئات القطع. كنت على يقين من ذلك، معلم القرآن، سيدي سعيد، قال لنا في آخر لقاء معه:
“إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ “



حفظنا الآية، وكتبتها على اللوح، واستظهرتها عليه مرتين قبل أن أمحوها.
كنتُ على يقين من أن شيئا ما، خارقا سيحدث.
بقدر ما كانت نداءات أعماقي كبيرة، كان الصمت والخوف يحتلان بقوة داخلي. إحساس غريب يشبه الموت، لم أشعر به سابقا. قوة احتلت داخلي كليا وأصبحت فراغا مرعبا لا أسمع فيه إلا عواء الذئاب المفترسة والجائعة. شعرت بالبرودة تجتاحني حتى بدأت أسناني تصطك من شدة الارتعاش. حاولت أن أتوغل بين الجذوع ذات الأوراق الكبيرة التي غطّتني كليا، وتأكدت من أني لن أسقط بين أيديهم مثل قط شرس سقط سهوا من أعلى السور. الفجوة الصغيرة جدا التي كنت أرى من ورائها والدي وكل المجموعة المحيط به، كانت تتسع كلما قربت رأسي منها أكثر.
فجأة، كما في المرة الأولى، رفع والدي رأسه، هذه المرة، لا أعتقد أنه رآني. ولم ير الشمس التي انسحبت نهائيا. رأيت ابتسامته الأولى تتفتت على شفتيه اليابستين، كما التراب الجاف، ثم تغيب نهائيا. نظر في وجه الحركي منصور، والضابط الأفطس بعينين مفتوحتين عن آخرهما، لا استجداء فيهما.
لم يغير من وضعية جلوسه. كان متكئا على ركبتيه، يداه مكبلتان خلف ظهره، يمر عبرهما حبل دار العديد من المرات على الصدر، ثم الرقبة قبل أن ينحدر نحو البطن ليستقر بعقدتيه إلى الوراء، تحت الكفين. كان الدم ما يزال على وجهه إثر الضربة التي تلقاها بعقب المات MAT 49 الحديدي.
هو الآن كليا في الظل بعد أن انسحبت الشمس نهائيا من الدائرة الضوئية، لتستقر على الهندية (الصبار) الكثيفة، مشكلة انكسارات ضوئية كثيرة تلمع من خلالها المساحات الشوكية الحادة.
نينوت وميميت كانتا في بيت عمي أحمد المطل على الشجرة، لابد أنهما تريان ما كان يحدث لوالدي أمام أعينهما. رأيتهما قبل دقائق عندما كنا ننظف، أنا والحسين ابن عمي، تحت الشجرة مكانا نلعب فيه، ونسحب الأوراق الميتة، ونخط مساحة اللعبة ومثلث (الكاري) الكريات. ستشهد نينوت ومميت على ما سأرويه لأمي وجدتي حنّا فاطنة التي كانت تحب والدي وفي كل مرة تذكره.
” – واش راك دير في النار. عد إلى فرنسا. هناك أفضل لك ولنا جميعا.
يقبل رأسها، ويضمها إلى صدره.
– هذه بلادي ولازم نبقى فيها يا ميما. اللي سرقها لازم يرجعها لمَّاليها (لأصحابها)، فقط.
تصمت حنّا فاطنة. تحني رأسها، ثم تذهب نحو البقرة لتحلبها، وتعطي للكلب بوبي أكله وشربه من بقايا أكل البارحة التي كانت فيها الحركة الليلية كثيفة في بيتنا وحوشنا، وللدجاج حبات القمح المجروش.”
نظر منصور بحدة في عيني والدي.
– تريد أن تخيفني؟ هاه السي أحمد لن ينقذك شيء الآن إلا لسانك. أنا وأنت فقط. نعمل فيك واش نحب. واش يقول لي رأسي.
– لن تفعل إلا ما تؤمر بفعله.
– راح نشوف.
ثم فجأة، غير منصور مكانه، بحيث أصبح وراء والدي وهو يردد بعنف.
– راح نوريك الزنباع وين ينباع.
أخذ علي لكور مكان منصور.
ماذا يفعلون يا الله؟ بدأ القلب يدق بعنف. اشّر الأفطس برأسه لمنصور وعلي. ثم التفت نحو والدي.
– Dites-nous dans quelle cache avez-vous caché les armes
– راه يقول لك القبطان: اين خبأت الأسلحة. قال عليّ لكور.
رد والدي بهدوء، لكن حلقه كان جافا:
– لا داعي يا علي لتتعب نفسك بالترجمة، فهمته.
ثم التفت نحو القبطان.
– Ce que j’avais à dire, je l’ai dit mon lieutenant dans le premier interrogatoire. لقد قلت لكم عن كل شيء يا سيدي الملازم في الاستنطاق الأول. لا علاقة لي بما قاله عليّ عنّي.













– يقول إنه يعرف التفاصيل وهو الذي قادنا إلى المطامير التي تخفون فيها الأسلحة.

– كذاب ولا يشبه في شيء أهله الطيبين. ألقيتم القبض عليَّ وأنا أستعد للذهاب إلى لاساس SAS (الفرع الإداري المختص) لمعرفة لماذا يسألون عني وأنا غائب بحثا عن عمل؟
– ليست هي الحقيقة. طيب لماذا اختار أن يتهمك أنت وترك الآخرين.
– لا أعرف. اسألوه.
قفز عليّ عند رجلي والدي، حتى كاد أن يلمس من وجهه.
– كنا نلعب الكارطة وسمعتك تحكي مع بوزيان أنكم ستتسلمون الليلة الأسلحة من أحفير، في وادي كيس، عبر الحدود المغربية.
ضحك والدي ضحكة جافة بشفتين متشققتين.
– ما أصغرك يا علي. ما أوسخ ما تقول. بِعْتَ بوزيان المسكين أيضا؟ الرجل الذي يخجل من نملة.
– أنت وهو من طينة واحدة. أعداء فرنسا. تضيعون وقتكم يا سيدي الملازم. لننته منه حالا. رصاصة في الدماغ تغنينا عن هذا الوقت الضائع.
ارتعشتُ على الشجرة بكل فروعها. قلبي بدأ يدق بقوة حتى شعرت بأنه سيخرج من فمي. انتابني دوار غريب أشعرني بأن الموت على بعد شبر مني.
مد منصور الحركي يده إلى رقبة أبي، من الخلف، ودفن وجهه في صحن الماء المليء برغوة الصابون. يا ربي ما هذا؟ اجتاحتني موجة جعلت جسدي من قطعة ثلج. وضعتُ كمي في فمي وعضضت على القماش. حتى اختنقت، فقط لكيلا أصرخ. في الحقيقة، كنت أصرخ بأعلى صوتي دون أن يخرج أدنى شيء من فمي باستثناء أنفاسي التي ضاقت. بابا حبيبي. بابااااا يا إلهي أينك؟ لماذا تخليت عنه يا ربي للقتلة؟ أنقذه من مخالبهم، أرجووووك يا ربي. شعرت في لحظة من اللحظات أن كل ما كان يقوله سيدي سعيد في الجامع لم يكن صحيحا.
كان والدي يختنق تحت بصري.
كانت الفقاعات تصعد مضخمة بصوته وهو يردح بين يدي منصور الحركي.
هز الأفطس رأسه، فأخرج رأسه من الصحن.
ملأ والدي صدره بالهواء.
– تقول وإلا نعاود.
قال منصور بصوت آمر.
– ألم يقل لكم عليّ إن الأسلحة مخبأة في المطامير؟ روحوا شوفوها.
– لا يوجد في المطامير شيء. قل لنا عن مكانها الصحيح، ونعفيك من هذا العذاب.
– لا أعرف.
أغرق رأسه ثانية في الماء ورغوة الصابون.
أبكي وأصرخ ملء قلبي بلا أدنى صوت. لا يمكنني أن ألتفت نحو الفراغ لكيلا أرى شيئا.
كنت أريد أن أطير بقوة النسور الجارحة. أن أهرب بعيدا من هذا المكان، تجاه سماء تسمعني. أن أتحول إلى كائن خرافي ضخم الجثة، يمزقهم واحدا واحدا، بدءا بعلي الحركي الذي باع (وشِيَ) والدي، آكله من رجليه. ثم من أصابع يديه. ثم أخرج قلبه وأمضغه أمامه، ثم رئتيه، وأبعثر أمعاءه فوق شجرة التين الضخمة، وعلى شوك الهندية. أن أقلب السماء على الأرض، فتصبح الأرض سماء والسماء أرضا أطؤها، وأحتج عليها لأنها طلّت صامتة.
كززت بأسناني على كمي قميصي الذي أضفت له الجزء التحتي من القميص، ليسد صراخي كليا. كشفت عن بطني الذي لم يعد شيء يقيه إلا أوراق التينة الضخمة.
عاودوا الكرة. في كل مرة كنت أقول إنه سيموت. لم يكن يصرخ. كان يكتم كل شيء في داخله. بياض وجهه الطيب مال نحو زرقة تشبه الموت. في المرة الأخيرة عنما أدخلوا رأسه في المغطس، أطالوا الوقت. ظننت أنه مات. عندما أخرجوه بدا كأنه ميت. لا يتحكم في رقبته ولا في بقية جسمه.
سأل الرجل الأفطس منصور:
– يا غبي قتلته. لا أريده أن يموت هنا.
وضع منصور أذنه اليمنى على صدر والدي.
– لم يمت سيدي. هو يتنفس بصعوبة. لكن سيعود ونذيقه من الوجبة الثانية.
أمر منصور الحركي عليا بأن يأتي بقطع الهندية المشوّكة. ثم قرّب فمه من أذن أبي الذي بدأ يستيقظ شيئا فشيئا.
– هل تتكلم عن مخبأ الأسلحة، أم نواصل.
حاول أن يفتح فمه، لكنه لم يستطيع الكلام. عاد علي الذي ذهب إلى بيت عمي، وفي يده سطلا من الماء البارد. رماه بعنف على رأس والدي. استيقظ، وهز رأسه، ثم بدأ يبحث بعينيه عن المكان الذي كان فيه.
– بسرعة يا علي، أنت ابن الخلاء والهندية. علمه كيف يتكلم بشوك الهندية.
– أمرك منصور.
– والآن تتكلم، أو نمر للمرحلة الثانية، قال منصور.
– ليس لدي ما أقوله.
خرجت من أعماقه كمن ينزع شوكة انغرست في القلب.
وضع علي لكور القفازتين الخشنتين. أخذ قطعة مشوكة من الهندية، من جهتها الملساء في حين ترك شوكها من الجهة الثانية. رفع يده عاليا ثم هوى بها على الخد الأيمن من وجه والدي. كانت الصرخة مخنوقة متبوعة بإزرقاقك كامل في الوجه. ثم أخذ ثانية وغرس شوكها في الخد الأيسر.
كنت أموت على الشجرة. فكرت في أن أرمي بنفسي في وسطهم، وأموت مع والدي، وأمسح دمه الفائر. لكني تجمدت في مكاني ولم أستطع الحركة. أصبحت ملتصقا كليا بالشجرة. تحولتُ إلى جزء من فروعها.
– يبدو أنك تفضل الموت على الكلام؟
وضع البندقية على رأس والدي، وقبل أن يضغط على الزناد، أشر الأفطس إلى الانسحاب.
نزعوا درگات الهندية من على وجهه. وكلما حركوها علا صراخه وتحول إلى عواء في الغياهب. كنت الوحيد يومها من سمعه. تمنيت أن يصبح والدي “رماد”، جدّنا الذئب الذي تحدثت حنا عنه كثيرا، لكن لا شيء من ذلك حدث.
وساروا به نحو سيارة جيب وهو مقيد بحبل ووجهه ينز دما.
بينما تركتني أسقط بكلي من الشجرة، بالضبط في الدائرة التي غابت شمسها.






















شارك هذا الخبر