أثير- تاريخ عمان
إعداد: د. محمد بن حمد العريمي
في الثالث من أبريل من عام 1995م توفي الأديب الشاعر الشيخ علي بن جبر بن سعود الجبري المولود سنة 1918م الذي يعد من أبرز الأسماء الأدبية العمانية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وقد تلقى العلم على يد عدد من كبار علماء عمان وقتها. كما كان من ضمن طلاب المدرسة السلطانية الأولى، وله العديد من الآثار الأدبية من بينها: ديوان (من وحي القريحة) ومجموعة كبيرة من الأسئلة والأجوبة المنظومة، وديوان ( بهجة النفوس في مدح السلطان قابوس).

”أثير“ تقترب في هذا التقرير من شخصية هذا العَلَم الفكري العماني الكبير من خلال تناول جوانب من حياته وشخصيته الأدبية، وأبرز إنتاجاته الفكرية.
نسبه ونشأته
هو الشيخ الأديب الشاعر العَلَم علي بن جبر بن سعود بن علي بن جبر بن محمد بن ناصر بن محمد الجبري. ينتمي إلى أسرة عريقة تعود في أصولها إلى قبيلة بني خالد العريقة في الإحساء، وقد جمعت بين المجد والزعامة، وخرج منها عدد من الشخصيات السياسية البارزة لعلنا نركز على المتأخرين منهم، فجده الرابع محمد بن ناصر الجبري كان زعيما على إزكي وأدم ونزوى وسمد الشأن وسمائل، وفي عهد السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي كوّن جيشًا حاول به الزحف إلى مسقط، لكنه لم ينجح، فسيطر على إزكي، واتخذ من بيت ستال بسمائل حصنا له، حتى اغتيل بتاريخ 2 صفر 1250ه.
وكذلك كان جده الثاني علي بن جبر زعيما قبليًا، وإليه يشير الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي في قصيدته الميمية، متحدثًا عن وقعة نفعا التي حدثت في عهد الإمام عزان بن قيس قائلًا:
وفينا السيف مسلولًا عليّ ... بن جبرٍ والعصائب من ريامِ


وأورد الباحث خليل المعولي أبيات للشاعر حمود بن حمدالخروصي في مدح الشيخ جبر بن سعود بن علي الجبري:
سوقوا إلى جبر المديح ونمقوا ... فالمدح يعلو بالكرام ويشرق
من كالأمير محمد طلب العلا ... بين البرية والأسنةُ تبرق
لولا فتى سلطان سوّر مسقطًا ... بقناته لحقت بنزوى جلّق
جَبْر العلا فافخر بأهلك إنهم ... قد أجلسوك على السرير وحلقوا
ومن آثار الأسرة، (بيت الصاروج) الذي يقع بقرية الخوبار في ولاية سمائل، ويقبع فوق هضبة جبلية مطلة على وادي سمائل، وقد بدأ بناؤه الشيخ علي بن جبر بن محمد بن ناصر الجبري، لكنه لم يكمل بناءه وأكمله ولده الشيخ سعود بن علي الجبري بعد مغادرة أبيه إلى زنجبار وجعله وقفا على ذريته من الذكور.
وقد قامت وزارة التراث والثقافة (آنذاك) بإعادة ترميمه في عام 1990م، وأطلق على بيت الصاروج عدة مسميات منها بيت الخوبار، وبيت الجبري، واستقر اسمه ليكون بيت الصاروج نسبة إلى المادة التي بني منها.

وقد التحق الشيخ علي بن جبر الجبري بالدراسة في المدرسة السلطانية الأولى التي افتتحت زمن السلطان تيمور بن فيصل في فبراير 1928م والتي يخلط البعض بينها وبين المدرسة السعيدية المفتتحة في عام 1940م وقد درس فيها حتى الصف الثالث الابتدائي ثم انتقل إلى سمائل حيث درس علم النحو هناك، ومكث مدة سنتين في مسقط درس خلالها أصول الدين والفرائض على الشيخ حمد بن عبيد السليمي في مسجد الخور.

ولعل سبب وجوده في مسقط خلال تلك الفترة والتحاقه بالدراسة في المدرسة السلطانية الأولى وكذلك التحاقه بجامع الخور يعود إلى وجود خاله الشاعر المعروف السيد هلال بن بدر البوسعيدي الذي كان أحد أعلام مسقط الفكرية البارزة وقتها، عدا عن دوره الإداري حيث عمل في عدّة مناصب من بينها السكرتير الشخصي للسلطان سعيد بن تيمور، ورافقه في رحلته الشهيرة حول العالم خلال عامي 1937-1938م.
وفي حوالي عام 1970 عمل الشيخ علي بن سعود الجبري موظفًا في وزارة البريد والبرق والهاتف، ثم انتقل إلى المعهد الإسلامي بالوطية أمينًا لمكتبته، وبقى فيها إلى أن أحيل للتقاعد عام 1990م.
التراجم التي أرّخت له
نظرًا لأهميته الفكرية، وبروزه الأدبي، وتواصله مع عدد من كبار الشخصيات الأدبية والفكرية، فقد أرّخ عدد من الكتب والتراجم والموسوعات لسيرة الشيخ الشاعر علي بن جبر بن سعود الجبري، فقد أورد الأديب محمد بن راشد الخصيبي جانبًا من ترجمته في الجزء الثاني من كتاب ”شقائق النعمان“، حيث ذكر أنه " وممن قرض الشعر في القرن الرابع عشر وحتى في هذا القرن الخامس عشر من الهجرة من أهل عمان الشيخ الأديب علي بن جبر بن سعود بن علي بن جبر بن محمد بن ناصر الجبري السمؤلي، ولا يخفى أنه من بيت شرف ورياسة ورفعة، جد هذه الأسرة محمد بن ناصر الجبري...، والشيخ علي بن جبر هذا لم يكن همه الرئاسة بل همّه طلب العلم منذ نشأ فتعلم أصول العربية عند الأستاذ عيسى بن ثاني البكري، وأصول الدين والفقه عند الشيخين العلّمتين أبي عبيد السليمي وأبي يحيى السيابي، واستمر يباحث ويسائل نظمًا عن عويص الشرع ومشكله مذ زمن الشبيبه الذي يدرس فيه وحتى الآن، وله مجموع كبير في أسئلته وأجوبتها ومنظومات متنوعة في تهانٍ ورثاء وغير ذلك، وله حب عميق في العلم والأدب، وعنده مكتبة جامعة للكتب من كل فن، وله اهتمام كبير بجمع حسان المسائل وشواردها وفرائدها نظمًا ونثرًا.."
كما ترجم له الباحث والمحقّق فهد بن علي السعدي في الصفحة (278) من كتاب ”معجم شعراء الإباضية قسم المشرق“:
" علي بن جبر بن سعود بن علي الجبري. توفي الاثنين 3 من ذي القعدة 1415هـ الموافق 3 أبريل 1995. سيد شريف، وأديب شاعر، عاش في القرن الرابع عشر وأول القرن الخامس عشر الهجري؛ من ولاية سمائل. نشأ على حب العلم والاجتهاد في طلبه، فتعلم العربية على يد الأستاذ عيسى بن ثاني البكري، وأخذ أصول الدين والفقه على يد الشيخين أبي عبيد حمد بن عبيد السليمي، والشيخ خلفان بن جميل السيابي، وكان يسائل ويباحث عن عويص المسائل.
له مكتبة جامعة للكتب من كل فن. له العديد من الآثار العلمية: من وحي القريحة وهو ديوان مطبوع يشتمل على تهانيه ومديحه، ورثائه وغير ذلك. ومجموع أشعار عمانية وهو مخطوط يحتوي على مجموع كبير في أسئلته وأجوبتها ومنظومات متنوعات من تهان ورثاء وغير ذلك، بعضها لها، وبعضها لغيره. وله كذلك ديوان بهجة النفوس في مدح السلطان قابوس”.
وترجم له الشيخ عبدالله بن علي الخليلي في رسالته (التراجم) والذي انطلق في ترجمته له من منطلقات اجتماعية تتصل بكيانه الاجتماعي، وتاريخه الأسري، ومكانته بين بني قومه، فيصفه بأنه " سيّدٌ شريف يتصدر المكانة العليا بين أفراد الشعب العماني وطبقاته وراثة مع دماثة في أخلاقه، ورقّة في مشاعره، ولطفٍ في مآخذه، وهو يقول الشعر ويحسنه، وإن لم يكن عنايته الوحيدة، وأنه أخذ هذا الشعر من خاله الشاعر العبقري السيد هلال بن بدر الذي استوى على الأدب الرقيق في مرحلته”.
وتناولته الموسوعة العمانية في المجلد الخاص بحرف (العين) بترجمة موسّعة تناولت فيه نسبه، وأسرته، ونشأته، وملامح شعره، وأبرز أعماله.
اهتمامه بالشعر
اهتم الشيخ علي بن جبر الجبري بنظم الشعر منذ صغره، وأنتج ثلاثة دواوين هي: ”الهمم العلمية، أسئلة علي بن جبر النظمية“، وهو عبارة عن مجموعة فقهية تحتوي على 114 سؤالًا فقهيًا بعدد سور القرآن الكريم، وكل سؤال له جواب فقهي منقول عن العالم المسؤول، وديوان ”طريق الأدب“، وفيه قصائد متفرقة، وديوان ”من وحي القريحة“، وديوان" بهجة النفوس في مدح السلطان قابوس”.

وبحسب الموسوعة العمانية؛ لم يُعرف شاعر من عائلة الجبري، ويرى الشيخ عبدالله بن علي الخليلي في مذكراته عن أدباء سمائل أن الجبري أخذ موهبته من خاله السيد هلال بن بدر البوسعيدي.
وبحسب (معجم البابطين الشعري)، هناك نزعة صوفية في شعره، فهو يتجه إلى مخاطبة الذات الإلهية بوصفها محبوبة ويتخذ من المرأة رمزًا للتجلي الأعلى تارة، وتارة تصبح المرأة إنسانة من طين هذه الأرض، وهو بين هذه وتلك يعالج أحواله صدًا وردًا وإعراضًا وإقبالاً. وله شعر في الرثاء يظهر ثبات إيمانه وتمام تسليمه لله تعالى، كما كتب في الإخوانيات، وهو في ذلك شاعر تقليدي ينتزع لغته وخياله وطريقة بناء أشعاره مما توارث من هذه القيم الفنية. كما نظم القصيدة الحوارية. ومن قصائده: خيال شاعر، وغرام شاعر، ولسان الحال، ونفثة حب.

وللشاعر علي بن جبر قصائد متفرقة في الأسئلة الفقهية، تطارحها مع فقهاء عصره، فكان يرسل إليهم السؤال نظمًا، ويأتيه الرد على ذات الروي والقافية، نشرت تلك الأسئلة والأجوبة في كتبهم، ككتاب ”شقائق النعمان على سموط الجمان“ للشيخ محمد بن راشد الخصيبي، و”قلائد الجمان ”لحمد بن سيف البوسعيدي“، و”بهجة المجالس“ لخلفان بن جميل السيابي، و”بين الفقه والأدب“ لعبدالله بن علي الخليلي، و”عقود الجمان“ لحمد بن عبيد السليمي، و”الدر المنتخب في الفقه والأدب“ لسعيد بن خلف الخروصي.


واهتم الشاعر علي بن جبر الجبري بالتقريضات نظرًا لاهتمامه الفكري الكبير وعمله كأمين مكتبة لفترة طويلة فكان دائم الاطلاع على ما هو جديد في عالم الثقافة، فله قصيدة في مجلة ”العربي“ الكويتية التي كان يجمع كل أعدادها حتى وفاته، حيث يقول:
هذي المجلة فليفخر بها العربُ ...فكلّها حِكَمٌ بل كلّها خطَبُ
كما قرّض مجلة ”الهلال“ المصرية، وقصيدة أخرى في تقريض كتاب ”كنز العلوم واللغة“ لمحمد فريد وجدي، وقصيدة أخرى في ديوان أحمد بن محمد بن درّاج الأندلسي.

كما له مراثٍ في شخصيات عربية وعمانية سياسية وثقافية، منها: الرئيس جمال عبد الناصر، والعالم الجزائري أبي إسحق إبراهيم أطفيش، والشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر، وأستاذه الشيخ حمد بن عبيد السليمي، وأستاذه الشيخ خلفان بن جميل السيابي، والسيّد ملك بن فيصل، والصحفي نصر بن محمد الطائي، والأديب عبدالله بن محمد الطائي، وغيرهم من الشخصيات.

النشر في الصحافة العمانية:
بعد توالي صدور الصحف العمانية في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، كان الشيخ علي بن جبر الجبري متفاعلًا مع هذه الصحف، حريصًا على نشر العديد من قصائده، وبالأخص تلك التي تتزامن مع مناسبات سياسية أو اجتماعية، وسنعرض هنا لنماذج من تلك القصائد المنشورة، ومن بينها قصيدة بعنوان (الرحلة السلطانية في قصيدة عمانية) نشرتها جريدة (عمان) في عددها الصادر يوم 17 فبراير 1973م بمناسبة قدوم السلطان قابوس من الديار المصرية والليبية:

ومنها قصيدة بعنوان (إضاءات البشرى بعودة السلطان) قالها بمناسبة عودة السلطان قابوس من المقاطعة الجنوبية (محافظة ظفار) في 22 شعبان 1394هـ:

ومنها كذلك قصيدة كتبها بمناسبة زيارة الملك الحسين بن طلال إلى سلطنة عمان واستقبال السلطان قابوس الحافل له:

(مخطوط مجموعة أشعار)
وهناك قيد تملّكٍ باسم علي بن جبر بن سعود الجبري، كتبه بيده، وقيد تملّك آخر باسمه، كتبه أحمد بن عبدالله بن أحمد الحارثي محفوظ في دار المخطوطات العمانية بوزارة الثقافة والرياضة والشباب تحت رقم (1346)، وهو عبارة عن مجموع أشعار من بينها: قصيدة سعود بن حميد بن خليفين في مدح الإمام سالم بن راشد، وقصيدة سعيد بن سليمان الحراصي السمائلي في مدح الإمام سالم بن راشد، وقصيدة عيسى بن صالح بن عامر الطيواني في مدح الإمام سالم بن راشد، وقصيدة المرّ بن سالم الحضرمي في مبايعة الإمام سالم بن راشد الخروصي وذكر حروبهم وفتوحاتهم وذلك في جمادى الثانية 1331هـ، وقصيدة سليمان بن عدي الخروصي السمائلي النخلي في مدح الإمام سالم بن راشد الخروصي، وقصيدة عبدالله بن حميد السالمي نور الدين ردًّا على سعيد بن مسلّم على قصيدته البائيّة التي مطلعها: خلِّ التهجّم والثلبْ إلى آخره، وقصيدة ناصر بن سالم بن عديّم الرواحي راثيًا نور الدين عبدالله بن حميد السالمي، وغيرها من القصائد.

وفاته:
توفي الشيخ الأديب علي بن جبر بن سعود الجبري بمستشفى خولة بمسقط في الثالث من أبريل عام 1995م، عن عمرٍ يناهز (77) عامًا، ودُفِن في محلّة الخوبار بسمائل.
المراجع
- ”بيت الصاروج“ أحد أبرز معالم سمائل التاريخية. تقرير منشور في موقع جريدة ”الوطن“ الإلكتروني، الأحد 20 مارس 2016م.
- جريدة عمان. مجموعة أعداد خلال الفترة من 1973-1975م.
- الخصيبي، محمد بن راشد. شقائق النعمان على سموط الجمان، الجزء الثاني، ط4، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 2006م.
- السعدي، فهد بن علي. معجم شعراء الإباضية قسم المشرق، ط1، مكتبة الجيل الواعد، سلطنة عمان، 2007م.
- السليمية، انتصار بنت محفوظ. قلائد المرجان الحاوي أجوبة الأسئلة النظمية للشيخ العلامة أبي عبيد حمد بن عبيد السليمي(تحقيق)، ط2، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 2016م.
- صفحة الباحث خليل المعولي على موقع (X)، 24 مارس 2021م.
- الكندي، محسن بن حمود. فجر الثقافة العمانية المعاصرة، رياض الريس للكتب والنشر، لندن، 2023م.
- المرجبي، محمد بن علي. الروزنامة العمانية، وزارة الإعلام، سلطنة عمان، 2018م.
- الموسوعة العمانية. حرف العين، وزارة الإعلام، سلطنة عمان، 2013م.
- الهميمي، زكريا بن عامر. لعبت أدوارًا مهمة في التاريخ العُماني.. الغالية بنت ناصر بن حميد الغافرية، تقرير منشور في موقع ”شؤون عمانية“، سبتمبر 17, 2020م.