د. رجب بن علي العويسي-خبير الدراسات التعليمية والاجتماعية في مجلس الدولة
ينطلق طرحنا للموضوع من ردود الفعل التي أثيرت حول خطاب وزارة التربية والتعليم إلى المديريات التعليمية بالمحافظات بتاريخ 26/12/ 2021، بشأن إعفاء معلمات الحلقة الأولى من أعمال مراقبة امتحانات دبلوم التعليم العام وما في مستواه، ولسنا هنا في معرض الحديث عن تبعات هذا القرار أو دلالاته ومحتواه وتجلياته في الواقع التعليمي أو نواتجه على المدى البعيد، والجاهزية المتوفرة لدى الوزارة في الاستغناء عن معلمات الحلقة الأولى في أعمال مراقبة طالبات الدبلوم العام ، بقدر ما هو إشارة الخطاب إلى مبرر الحفاظ على زمن التعلم كأحد الأسباب الرئيسية التي اتجهت خلالها الوزارة إلى اتخاذ هذا القرار، حيث جاء في بنية الخطاب ما نصه:” في إطار سعي الوزارة إلى الحفاظ على زمن التعلم لدى طلبة الحلقة الأولى (1-4)”.
على أن الحديث عن زمن التعلم المحدد في مدارس سلطنة عمان بـــ (180) يوما ، يجب أن تصل إليه مسارات التشخيص والتقنين والمراجعة، بحيث يستند إلى جملة من المرتكزات الداخلية، التي تقيس مستوى الحاجة إليه، وإلي أي مدى يتناسب هذا التوجه مع ما يتوفر في مدارسنا من ممكنات ومحفزات وفرص تصنع منه قيمه مضافة في حياة الطالب، ومع هذا التباين الحاصل بين دول العالم وأنظمتها التعليمية في تحديد زمن التعلم، فإن ذلك يعطي مؤشرا إيجابيا على وجود المرونة فيه، والاختيارية في تحديده، فإن تحديد زمن التعلم في واقعنا الوطني، ينبغي أن يجسد الخصوصية الوطنية والهوية التعليمية العمانية، ويعبّر عن الظروف والمتغيرات والأحداث التي يعيشها كل بلد، فإن تفكير العالم في أثناء جائحة كورنا ( كوفيد19) وفي ظل إغلاق المدارس وحرمان أكثر من مليار ونصف طالب حول العالم من التعليم المدرسي، في كيفية الإبقاء على الحق التعليمي للطلبة مستمرا، ليتجه إلى التعليم عن بعد وغيره، أكثر من تفكيره في الحفاظ على زمن التعلم، دلالة على أن قابلية الموضوع للدراسة والمراجعة والتفكير في بدائل أخرى بما يتناسب مع واقعنا العماني حالة صحية سوف تسهم في الخروج ببدائل وإنتاج حلول أكثر واقعية وارتباطا بواقع التعليم بالسلطنة.
وبالتالي فإن الحفاظ على زمن التعلم، مرهون بالظروف والمتغيرات التي تشكل هوية التعليم وتعكس ضروراته وأولوياته، وتحدد شكل التعليم القادم الذي يتناسب مع الحالة العمانية، في ارتكازه على القيم العمانية وأخلاقيات الإنسان العماني، وظروف الإنسان العماني نفسها، وهو يتجه نحو تحقيق رؤية عمان 2040 بما فيها من موجهات ومحاور ومرتكزات في بناء الإنسان والهوية العمانية والحوكمة وترسيخ معاييرها، وإذا كان من الأولى فيما يتعلق بجوانب الاستفادة من نظم التعليم الدولية أن يتجه العمل إلى تعليم المسارات وإعطاء الجانب المهني والتقني حضوره في مسارات التعليم بجانب الاهتمام بالقيم والتراث والتاريخ والفلسفة وغيرها مما تفوق فيه العالم بينما ما زلنا في نظامنا التعليمي غير قادرين على تشخيص الواقع، أو تحديد ما نريد من التعليم، وكيف يمكن أن يسهم التعليم في هندسة الواقع الاجتماعي والاقتصادي الوطني بما يلبي متطلبات رؤية عمان 2040، ويحقق وظائف المستقبل، في ظل تزايد أعداد الباحثين عن عمل من مخرجات التعليم، ونوع المهارات والكفايات التي يمتلكها خريجو الدبلوم العام في ظل الثورة الصناعة الرابعة، ثم مستوى الثقة التي يمنحها القطاع الخاص ورجال المال والأعمال للمخرجات التعليمية وقبولها في سوق العمل، ثم قدرة التعليم على تلبية احتياجات السلطنة من الوظائف وربط التعليم بسوق العمل ، وربط التعليم بمهارات الحياة ومتطلبات العيش في الظروف الصعبة في ظل ما أفصحت عنه جائحة كورونا من فاقد تعليمي قد يكون لنظام التعليم عامة والممارسة التعليمية بالمدارس أثر فيه، ومدى قدرة التعليم عن بناء المجتمع نفسيا وفكريا في مواجهة التحديات التحريضية والمعلبات الفكرية والإشاعة والابتزاز والاستهلاك المعرفي وضعف الثقة بالنفس أو اتخاذ القرار، وارتفاع درجة القلق لدى المخرجات حول أنفسهم وثقتهم بذاتهم أو تصالحهم مع أنفسهم والآخرين.
وعليه فإن الحفاظ على زمن التعليم بحاجة إلى جملة من المحفزات ، وأول هذه المحفزات يكمن في إزالة الجراثيم التي باتت تؤثر سلبا على جودة التعليم وكفاءته وقدرته على سبر الواقع، والدخول في عمق الذات، وفهم الظروف والمتغيرات، وتحليلها بروح الواقع وأدواته، في ظل تدني مستوى الاستغلال المهني والاحترافي لوقت التدريس، رغم الوقت الذي يمكثه الطلبة في بيئة التعليم، والوقت المستقطع من واقع التدريس اليومي للطالب، وعندما يتم القضاء على هذا الترف الفكري الحاصل في نمط التدريس، واتجاهه نحو التلقين، وغياب مساحة الأمان النفسي للطالب التي يشعر بها في الصف الدراسي، وحجم ما يمنح من وقت للمشاركة، والتعبير عن ذاته وإدارة واقعه ، وكثرة المواد الدراسية وتعدد المناهج واتساعها، إذ أصبحت هذه المشتتات ترهق كاهل الطالب وتقلل من الدافعية والرغبة لديه، كما أسهمت في ارتفاع معدلات الظواهر السلبية في بيئات التعليم واتساع ظاهرة التنمر، وتدني فرص الأمان النفسي، وحصول الطلبة على عدالة في التعامل والمعاملة والاهتمام، وتكريس لغة الفوقية والنخبوية للطلبة ذوي التحصيل الدراسي المرتفع أو المشاركين في الحصة الدراسية دون سواهم ، أما الأمر الآخر فيرتبط بمستوى جودة وإنسانية بيئة التعلم، من حيث تحقق المعايير التي تضمن استيعاب الأنماط التفكيرية والنفسية لدى الطلبة، وتصبح كفاءة بيئة التعلم والتزامها المعايير وتقيدها بمواصفات السلامة والمهنية وتنوع البدائل والفرص، والجوانب النفسية والترويحية، من شأنه ضمان وجود بيئة تعلم نموذجية جاذبة تعاونية تشاركية تحمل على عاتقها مسؤولية ربط الطالب بمواقف الحياة وظروفها ومتغيراتها وأحداثها، وتنشيط حركة التعلم داخل بيئة التعليم، والتي تبدأ من اقتناع الطالب بأهمية تعلمه، وبقيمة العلم ذاته، واستشعار المعلم لمسؤولياته، فهي أكثر من مجرد تدريس العلوم واجترار المعارف وحفظ واسترجاع المعلومات، إلى بناء أولويات الحياة، وتأصيل المهارة، والتركيز على الاكتشاف والتجربة والبحث والمبادرات، وتعزيز روح التغيير، وفتح المجال للمزيد من الديناميكية في بيئات التعليم، والانطلاقة من الخصوصية التعليمية لبناء محطات تحول ممكنة قادرة على استنهاض روح التغيير التعليمي في فقه الطلبة، وعندما نحقق هذه الممكنات، ونصنع لهذه المحفزات حضورها المستمر المعزز بالتشريعات والقوانين، عندها نستطيع القول بأن الحفاظ على زمن التعلم تحول من بديل اختياري إلى استحقاق وجوبي.






