أخبار محلية

آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد

آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد
آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد

أثير – مكتب صلالة
إعداد: محمد حاردان


لطالما كان “يوليو المجيد” باعثًا لذكريات النهضة المباركة، التي أسسها المغفور له جلالة السلطان قابوس – طيّب الله ثراه-، وكلما عاد يوليو يأتي محملًا باللحظات الخالدة في الذاكرة الجمعية للشعب العماني.

آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد
آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد

خلال الأيام الماضية انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي قصة المواطنين الستة، الذين قطعوا صحراء عمان من ظفار إلى مسقط، أغلبها مشيًا على الأقدام وعلى ظهور الجمال، يحملون آمال الوطن بين ضلوعهم، والأمانة التي أوكلها لهم أصدقاؤهم؛ ليقفوا مبايعين ومعاهدين أمام المغفور له جلالة السلطان قابوس في مسقط بعد مسيرة مضنية استهلكت منهم الزاد والأجساد.

تتبعت “أثير” خيوط الحكاية للوقوف على تفاصيلها وفصولها وأبطالها، من خلال اتصالات مكثفة ولقاءات عديدة، وتهيب “أثير” بالقارئ الكريم أنه في حال عدم ذكر بعض الأسماء من تلك الحقبة أو سقوطها سهوًا؛ فذلك أمرٌ لم يكن بقصد التجاهل وإنما ظروف تجميع المادة التي تخص هذه الرحلة الخالدة، واستدعاء تلك الفترة بكل تفاصيلها المثقلة بالأحداث والمواقف والشخصيات.

تنبهت “أثير” إلى أن أحد الستة هو المرحوم مسلم قراطاس المهري، والد الشاعر محمد قراطاس أحد الأدباء العمانيين الذين ينشرون على صفحاتها، وفي يوم السبت مساء 4 يوليو تم الالتقاء بالشاعر قراطاس، وطرحنا عليه سؤالًا عن تلك الملحمة المهمة من ملاحم السبعين.

قال محمد قراطاس بأن هذه الحادثة حصلت قبل ولادته، لكنه أكد بأنه يعرف عنها؛ كونها من أشهر القصص التي يتداولها أبناء قوات الفرق. ويوضح: ” لم أكن ولدت أيامها، لكن الذاكرة بالرغم من ذلك تمتلئ بها؛ لأن والدي -رحمه الله- كان فردًا من المجموعة التي خرجت من ريف ظفار إلى شليم، وكان أحد الستة المنتدبين لمقابلة المغفور له جلالة السلطان قابوس.
هذه المجموعة عندما خرجت لم يدفعها شأن قَبلي أو مصالح خاصة أو أيدولوجيات حزبية أو محاولة للنجاة؛ وإنما خرجت فقط لأن الوطن وسلامته ووحدته كانت الأولوية القصوى، ويجب إخراجها من هذا النفق المظلم ولو كلفهم ذلك أغلى ما يملكون. وقد حصل ذلك لاحقًا لكثير منهم”.


آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد
آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد

سألنا قراطاس عما حصل لوالده بعد المقابلة، فقال:”والدي -رحمه الله- بعد مقابلة السلطان عاد مباشرة، والتحق لفترة محدودة بفرقة صلاح الدين، التي كان قائدها المرحوم سالم مبارك المعشني، ثم خرج ليؤسس بعدها مباشرة فرقة العاصفة؛ ليصبح قائدها ويكون المرحوم الشيخ علي سالم جيدود المهري نائبا للقائد، وهي ثاني فرقة بعد صلاح الدين، والحديث قد يطول عن مساهمته في هذا العمل الوطني؛ لأن هذا المقال يتحدث عن الرحلة، وليس عن تاريخ تشكيل الفرق الوطنية وأثرها الكبير في حرب ظفار”.

توفي -رحمه الله- قبل إعلان النصر في 1974م . وأردف قراطاس: ” الأحياء ممن خاضوا تلك التجارب المريرة والعظيمة هم أجدر الناس بالحديث عنها”. وأشار إلى أن المدون أنور محمد صواخرون هو مَن أثار هذه القصة في مواقع التواصل الاجتماعي، عبر لقائه بالمقدم متقاعد الشيخ مستهيل الشحري “برفكل” أحد الرجال الستة الذين قاموا بالرحلة، واقترح أن يتم اللقاء مع صواخرون من باب الأمانة والالتزام الأدبي. وأضاف: ” مثل هذه الملاحم التاريخية يجب تدوينها والاهتمام بها؛ كونها لحظات مفصلية في التاريخ العماني”.

تم الاتصال بالمدون أنور صواخرون ذلك المساء، وأبدى تجاوبًا، وحدد موعده في اليوم التالي بمنزله في السابعة مساء.

في منطقة “صحلنوت ” وفي 5 يوليو التقينا بأنور صواخرون؛ لتسجيل شهادته حول الرحلة وللحديث عن والده -رحمة الله عليه- الذي كان له دور بارز في بدايات النهضة. وبحكم معرفة أنور الشخصية بالشيخ مستهيل الشحري، طَلبت منه “أثير” موعدًا مع “بر فكل”، فقام بالاتصال به على الفور، ليكون الموافق 6 يوليو اليوم الذي سنلتقي مع آخر الأحياء من الأشخاص الستة، الذين كانوا في الرحلة إلى مسقط، والشاهد الوحيد على صفحة من أيام يوليو المجيد في عام 1970 م .

آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد
آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد

يقول أنور: “أرسل جدي عبدالله والدي إلى الكويت في عام 1968م؛ للدراسة ومتابعة بعض الأعمال التجارية، وبحكم أن جدي كان من تجار ولاية طاقة المعروفين، وكان عمره 17 عامًا، استمر بالدراسة وكان في الفترة نفسها يعمل في أحد المصارف. واصل والدي الدراسة والعمل إلى ما قبل عام 1970م، حين تلقى خبر اعتقال والده من قبل حكومة السلطان سعيد بن تيمور بتهمة تمويل الثوار، وسُجن على إثرها عدة أشهر وخرج، بعد ذلك وبفترة وجيزة ورده خبر إعدام والده ومُصادرة جميع ممتلكاته من قبل ثوار جبهة التحرير وهو في الكويت، فقرر الرجوع إلى الوطن عام 1970م، انضم حينها إلى صفوف الجبهة مرغمًا؛ للحفاظ على سلامته وعائلته من التصفية. بعد أشهر من وصوله تسلّم السلطان قابوس –طيّب الله ثراه- مقاليد الحكم في البلاد وأطلق مقولته الشهيرة “عفا الله عما سلف” فقام والدي بتسليم نفسه للحكومة .

وأضاف: مما قاله والدي عن تلك الفترة “كان لأسرة بيت أحمد بن علي تمان المعشني -أخوال السلطان قابوس- دور رئيس ومحوري في مجابهة الثورة علنيًا، وأبلغوا القريب والبعيد للانضمام إلى الحكومة، وبحكم المعرفة والجوار ووشائج القربى والارتباط الممتد مع هذه الأسرة العريقة أعلنتُ موقفي معهم وسلمت لهم الأمر”.

ويروي صواخرون ما يتذكره من أحاديث ومواقف لوالده، قائلًا:”أغلب وقتي كنت مع رجال من قبيلة المعشني، وكانت الجبهة تسيطر على ما يقارب 70 % من جبال ظفار، وأصبح الخوف وباءً منتشرًا بين أوساط المواطنين. كانت مرحلة قلقةً جدًا، لدرجة فقدان الثقة بين الأخ وأخيه. كان الناس يتناقلون أخبار الإعدامات في كل أرجاء ظفار، وأخبارًا أخرى تفيد بتقدم الثوار إلى مناطق الشرق، في تلك الأثناء قررت مجموعة من المنفصلين عن الجبهة، وضع خطة ما أو إيجاد حل من هذا الواقع الجاثم على ظفار”.

6 يوليو بولاية طاقة في الرابعة والنصف عصرًا التقينا بالمقدم متقاعد الشيخ مستهيل بن سعيد بن نصيب الشحري (برفكل) في بيته، وهو أحد الأفراد الستة الذين انتدبوا إلى مسقط، والشاهد الوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة، في سيرة لم تروَ من قبل على صفحات المجلات والصحف منذ تاريخ يوليو المجيد من عام 1970 م .

آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد
آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد
آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد
آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد

يقول “برفكل”: “يوم 23 يوليو كنت والشهيد مسعود سهيل (بير أبوت) جعبوب قادمين من منطقة “حوف” في صفوف الثوار، وكنا مسؤولين عن راحلة عسكرية محملة بالسلاح، تلقينا خبر استلام جلالة السلطان -رحمه الله- مقاليد الحكم في منطقة “ايت حندوب” في ولاية رخيوت، واصلنا الطريق إلى مقر الجبهة في وادي “خشيم”، تداول الناس الخبر بين مصدق ومكذب، وكثر الهرج والمرج، واستخدمت الجبهة أسلوب التضليل الإعلامي للخبر، لكن أنا ورفيقي كنا من المصدقين والمؤمنين بأن هذا الخبر صحيح، وأن البلاد مقبلة على عهد جديد”.

آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد
آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد

وأضاف بقوله:” كنّا خلال فترة يوليو وأغسطس وسبتمبر -أي في موسم الخريف- نعقد اجتماعات سرية؛ لإيجاد مخرج ومنفذ سلام. وأكد قائلًا:” لم تكن لدينا الثقة جميعًا لاتخاذ قرار، وفي شهر سبتمبر من عام 1970م حدثت انقسامات حادة في صفوف الجبهة حول الفكر الشيوعي للجبهة بين مؤيد ومعارض لهذا الفكر، وكان المعارضون نحن مجموعة أفراد من المنطقة الشرقية في ظفار، فاجتمعنا مع قيادات الثورة من عسكريين وسياسيين في الجبهة الشعبية؛ لإبداء انتقاداتنا واعتراضنا، لكن لم نصل إلى نقطة حوار، كما أعلنا في عدة اجتماعات في “دربات” ومنطقة “شيحيت” موقفنا وفشلت المعاهدات والاتفاقيات”.

آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد
آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد

يواصل برفكل سرد الأحداث :”في تلك الأثناء تمت التصفيات الجسدية والاعتقالات. وفي ظل الجو المحموم -وكنا في شهر رمضان- توجهنا أنا والشهيد “بخيت كوشاع” الذي أُعدم لاحقًا من قبَل الجبهة إلى كهف (جورم )، وكان يسكنه “أحمد ار فطمت” بن صفرار، فوجدنا عنده محمد بن عبدالله صواخرون. بعد تناول العشاء سألناه عن أصحابنا فأفادنا بأن ثلاثة منهم رجعوا إلى صفوف الجبهة، وأكد وجودهم في معسكر الجبهة بمنطقة “قرضيت “، وهم أحمد محمد سالم أنارأوات العمري “قرطوب” ، و سالم محمد سالم المعشني “بر أقورحوت” وسعيد مسلم تمان المعشني، قضر أودوت”عادوا لاحقا إلى الحكومة “.

سرنا في المساء إلى منطقة “جيشو” والتحق بنا محمد صواخرون وعامر لبخيت أغليل المعشني وعلي سهيل شرخاض المعشني-أبو صادق- وأحمد سعيد دحداح الشحري، وبخيت أحمد كوشاع الشحري الذي أعدمته الجبهة لاحقًا.
وأضاف: لم ننم ذلك المساء وواصلنا السير باتجاه “قي” القريبة من منطقة “جبجات” حيث كان بانتظارنا باقي المجموعة أثناء المسير، أصر كوشاع على الذهاب إلى المجموعة ولم نستطع ثنيه وكان صديقًا مقربًا من “قرطوب” ومجموعته، وكان شجاعًا وعنيدًا قرر حينها الرجوع والانضمام إليهم، اقترحتُ عليه إكمال السير إلى المجموعة؛ لثنيه عن قراره لكنه رفض. رافقه ابن خاله “أحمد سعيد بر دحدح” الشحري؛ جبرًا لخاطره.


آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد
آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد

أكملنا سيرنا إلى “دبدي حوضوت” وفي الطريق صادفنا الشاب سعيد أحمد الهلالي “بركعرو” الملقب بـ “جرنوف” سألته من أين ؟ فأجاب بأنه في الصباح التقى أصحابنا في كهف “شرخوت”، وأفادنا بأنهم ينوون التوجه إلى “اوغزول”. طلبت منه مرافقتنا وألححت عليه ليدلنا على الطريق فوافق، واتجهنا إلى المكان وكنا السباقين إليه، وفي المساء وصل باقي أعضاء المجموعة وكان عددنا فوق 20 شخصًا، ثم واصلنا التقدم إلى وادي “أنظور”. كان الجو جافًا وحارًا فمرض أحد الأعضاء، وقرر العودة ورافقه بعض الأشخاص .

وتبقى عشرون رجلًا، فقررنا التوجه إلى “الشويمية”. وصلنا قبل غروب الشمس، واستضافنا الشيخ حثيث البطحري، وأكرمنا بالذبائح وتكفل لنا بجملين عليهما من الزاد ما يكفينا إلى شليم .

قطعنا المسير من الشويمية الى شليم في يوم واحد، إلى أن حطت رحالنا في أحد السيوح القريبة لأهالي المنطقة. قبل حلول المساء وصل رجال من قبائل المهرة بقطعانهم من الإبل إلينا، وكان لدينا من المؤن والزاد ما يكفي أثناء وجودنا في شليم، أكملنا ما تبقى من شهر رمضان، وكنا نناقش أمورنا في مختلف الجهات، نتفق أحيانا ونختلف في أحايين أخرى. بعد أيام زادت حدة النقاش فقرر الجميع ندب ستة رجال إلى مسقط للقاء المغفور له جلالة السلطان قابوس وهم: محمد بن هدية المهري، ومسلم قراطاس عامرجيد المهري، محمد عبدالله صواخرون، أحمد سهيل جيلال المعشني ،مستهيل سعيد فكل الشحري، والشهيد محمد علي عيسى علي صحي العمري.

انطلقنا نحن الستة إلى جدة الحراسيس في الصباح على ظهور الإبل وبعضنا ماشيًا على الأقدام، رافقنا مجموعة من رجال شليم أتذكر منهم “دلاكم” صموده المهري وهو أخ محمد بن هدية من الأم .

تركنا ركابنا في جدة الحراسيس، والتحقنا بالشيخ سالم بن هويلة، الذي كانت وجهته إلى هناك، وكانت له معارف مع جلالة السلطان –رحمه الله- من قبل كما يبدو. انطلقنا في سيارة (بيك اب فورد) واتجهنا إلى مركز ولاية “إزكي” وكنا جميعًا مسلحين بالبنادق. أخبرناهم أننا من الجبهة الشعبية أتينا؛ لتسليم أنفسنا للحكومة، ووجهتنا مسقط لمقابلة جلالة السلطان، دونوا أسماءنا وبعد الإذن أكملنا الطريق إلى مسقط .

8 يوليو خلال جمع المعلومات مع المدون صواخرون تواصلنا مع الرائد ركن متقاعد محمد عامر كنيزارعامرجيد المهري، الذي كان حاضرًا لهذه الأحداث ضمن العشرين، قررنا الالتقاء على الفور فكان الموعد في سهل رزات في الثامنة مساءً.

آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد
آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد

يقول بن كنيزار: “في 23 يوليو كنت في صلالة طالبًا في المدرسة السعيدية وبعد ثلاثة أيام رجعت الى أهلي في جبجات، كنت حينها في سن 14 سنه. هناك قابلني سعيد سهيل زمّات عامرجيد المهري وكان حينها منشقًا عن الجبهة، نصحني بالحذر من الجبهة وإنني تحت المجهر. بعد أيام أرسلت في طلبي امرأة من قبيلة المعشني من منطقة “فيقيتا”، كانت قادمة من الكويت تحمل لي أخبارًا عن إخوتي الذين يعملون هناك، طمأنتني عليهم. وبينما كنا نتحدث أتى مجموعة من رجال المعشني قادمين من “شيحيت” برفقتهم أحد رجال الشحرة، وكان أحدهم قد لمحني مع أشخاص من قبيلتي، لديهم التوجه نفسه، سألني عنهم وطلب مني أن أدلهم عليهم فوافقت. وكنت أنا وبن “هديه” قبل يومين قد اتفقنا على موعد للالتقاء في منطقة “قصيروت”. ذهبنا إلى المكان المتفق عليه، وبتنا هناك إلى الصباح، وصلنا بن “هديه” واتجهنا جميعًا نحو الشرق في منطقة “قنف” وبتنا ليلة هناك، ثم توجهنا إلى “أرديت ار أحمد ” ومن هناك إلى منطقة “تعكس”. بعدها أقسمنا على القرآن جميعًا بالوفاء وعدم خيانة مؤتمر “تعكس” (بضم التاء والعين) نحن المجموعة المكونة من 20 شخصًا ، وهم : ( محمد أحمد هدية المهري، محمد علي عيسى علي صحي العمري، أحمد سعيد مجحيت جعبوب، مسلم قراطاس عامرجيد المهري، محمد عبدالله صواخرون، مستهيل سعيد فكل الشحري، محمد علي طهيش الشحري، محمد علي آزاد المعشني،عامر آر غليل المعشني،علي احمد خيزار المعشني “إيهموم”، عوفيت أر زعانوت المعشني، علي سالم محاد عير المعشني، علي محاد المعشني “شعموه”، وأخوه سالم (صليين) ومسعود سهيل المعشني ابونبيل، وأخوه علي أبوصادق، وسعيد سهيل زمات عامرجيد المهري، وأحمد بخيت برنجيمة عامرجيد المهري، وأخوه مسلم بخيت عامرجيد المهري، وأنا محمد عامر كنيزارعامرجيد المهري)، وصلنا مؤخرًا محمد مقبوب زعبنوت إلى شليم، مكملًا 21.

آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد
آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد

انطلقنا من هناك وعلى ظهورنا زادنا وسلاحنا ومعنا بعض الأغنام، توجهنا عبر طريق نجدي في بطون الأودية سلكنا طريق الركاب، مرورًا بوادي “بعل محيزير”وبتنا ليلة فيه، أكملنا الطريق صباحًا إلى “وادي أنظور”، وهناك بتنا وتزودنا بالماء منه، واصلنا السير إلى وادي “عارة”. صادفنا هناك شابًا من قبيلة عموش المهري اسمه “سعد بر جبليل”، على ناقته “عشيم” طلبنا منه المساعدة وأبدى الاستعداد لخدمتنا بقوله “هب نودكم”، حملنا على ناقته زادنا والذخيرة وكان الحمل ثقيلًا وأشفقنا على الناقة، فرد علينا إذا كانت من سلالة “عشيم” ستتحمل والأقوى منكم يشد خطامها، استمرت الرحلة عبر “اقون البون” ومنها إلى عين “صميرح ” قبل (جنوت) الاسم القديم للشويمية. استمرت الرحلة ستة أيام تقريبًا إلى أن وصلنا عصرًا.

حين وصلنا نصب لنا رجال من قبائل البطاحرة خيمة على البحر وأكرمونا، بتنا ليلتين ثم أرسل “برهديه” في طلب الإبل التي يملكها، وانطلقنا إلى شليم وحين وصلنا قام بن هديه بذبح ناقة لمجموعته، وكان “برهديه” شخصية معروفة ويحظى بتقدير كبير وكان شيخًا لقبيلته .

في شليم تم الاتفاق لندب ستة رجال إلى مسقط وبعد تحديد أسمائهم، توجهوا إلى جدة الحراسيس ورافقهم كل من رامس بخيت صموده ولبخيت سعد “كليويس”ثوعار ومكتوم سعيد برأحشحاش ثوعار وسالم بن الشيبة ثوعار ودلاكم عزيب صموده ومسلم كريشيد ثوعار.

وبقينا نحن لمدة شهر تقريبًا حتى قدم لنا المركب، كان محملًا بالأكل والشرب واللباس وفيه الأشخاص الثلاثة القادمون من مسقط، وبعد أن أفرغ حمولته، عدنا معه إلى ريسوت. فور وصولنا تم إبلاغنا بأن موعدنا مع جلالة السلطان الساعة الرابعة عصرًا في ذلك اليوم بقصر الحصن.

عودة إلى مستهيل برفكل والحديث عن مسقط ، سرد لنا قائلا:”وصلنا إلى بيت موسى عبدالرحمن في مسقط القديمة، مكونًا من دورين مخصصين للضيوف، وجدنا هناك يوسف بن علوي، لكنْ، كلٌ منا كان في دربه وفي شؤونه، لم نسأله عن شيء وهو بالمقابل لم يسألنا. كنا نعرفه كمتحدث باسم الجبهة الشعبية في مصر”

“تم استدعاؤنا في اليوم الثاني عصرًا، وكانت هناك سيارة بانتظارنا لتنقلنا إلى قصر العلم. استقبلنا جلالته -رحمه الله- بوجه بشوش وصافحنا واحدًا واحدًا ورحب بنا بحفاوة، هنأنا جلالته باستلامه مقاليد الحكم، وطلبنا منه تشكيل فرق وطنية لمحاربة الجبهة الشعبية، فأبدى جلالته تجاوبًا فوريًا -رحمه الله-. أمر بعد ذلك جلالته ببقاء ثلاثة أشخاص لأيام وكلّف الثلاثة الآخرين بالرجوع إلى الشيخ بريك في صلالة، فبعد أسبوع سنلتقي جميعًا في ظفار في قصر الحصن ” .

آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد
آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد

يقول برفكل: “بقيت أنا ومحمد عبدالله صواخرون ومسلم قراطاس. وكان سبب بقائنا إجراء بعض الاتصالات، فبحكم عملي في الشارقة والخليج وعلاقاتي بالأفراد هناك، حاولت إقناعهم بالرجوع والانضمام للفرق. وأثناء وجودنا ذهبنا إلى مطيرح فصادفنا هناك عددًا من الذين كانوا يعلمون في جيش ساحل عمان، من بينهم محمد بن دريدار عامر جيدالمهري (ابن أخت مسلم قراطاس) وكانوا في إجازة، أعلمناهم بمهمتنا وأوضحنا لهم أنه خلال وصولهم إلى ظفار ستتبين لهم كل الأمور .

رجع أصحابنا الثلاثة عبر الطيران. كما أن المغفور له جلالة السلطان وجه أوامره للشيخ بريك الغافري بتجهيز مركب محمل بمختلف المؤن والغذاء لأهالي الشويمية وشليم؛ وذلك لحسن استقبالهم وكرم ضيافتهم للمجموعة، وأيضًا لنقل الأشخاص المنتظرين هناك إلى صلالة عبر البحر.

يروي بن كنيزار هذه اللحظات: توجهنا إلى قصر الحصن وكان في استقبالنا جلالته -عليه رحمة الله-، كنا حوالي سبعين رجلًا، وقد انضم عددٌ من الرجال المنشقين من الجبهة ، كان المطلب الأهم هو تأسيس الفرق والإمداد بالسلاح من جميع الحضور. من المشاهد التي يسترجعها بن كنيزار لأحد الحضور، وهو سالم بن ذرذير العمري حين طالب السلطان قابوس -عليه رحمه الله- بالاستغناء عن الإنجليز فرد عليه جلالته بهدوء تام ملتفتًا إلى الجميع قائلا “لو كنا نمتلك البديل لاستغنينا عنهم.. لكن ليس فيكم من يقود طائرة، أو يسعف مريضًا، أو من يؤهل الجنود ويدربهم. ومتى ما توفر لدينا البديل من المواطنين حتمًا سنعتمد على أنفسنا”، لام الحضور بن ذرذير وأنكروا عليه كلامه، لكن السلطان اعترضهم وقال: ” من لديه أي رأي فليبديه أمامي”.

يقول بن كنيزار: في 11 ديسمبر 1970م تأسست أول فرقة، وهي فرفة صلاح الدين بقيادة سالم مبارك المعشني، التي تعد النواة الأولى لجميع الفرق في ظفار، استلمنا سلاحنا وبطاقاتنا من معسكر “أم الغوارف”، وتوجهنا إلى مرباط بالمركب، حينها لم تكن الطرق ممهدة، كانت الفرقة مكونة من 50 شخصًا تقريبًا، ثم التحق بنا خلال فترة قصيرة أعدادٌ من المستجدين، أقمنا المعسكر على أطراف مرباط من الجهة الجنوبية، حررنا سدح من قبضة الجبهة، وأسسنا فرقة جمال عبد الناصر في منطقة “جوفا” عام 1973م، بقيادة محمد مسلم صعييف العمري؛ لتثبيت الأمن والسيطرة على شرق ظفار. وفي عام 1977م وتحديدًا في 15 مارس التحقت بقوة السلطان الخاصة في أول دفعة جندي مستجد.

آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد
آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد

يسجل برفكل شهادته للتاريخ لأسرة بيت أحمد بن علي تمان المعشني عامة وللسيدة الجليلة ميزون بنت أحمد المعشني والدة السلطان قابوس خاصة -رحم الله موتاهم وأطال في عمر الأحياء منهم- ويقول: “لقد كانوا صمام الأمان جميعًا بلا استثناء، وأبطالًا، كلٌ في مكانه ومن موقعة، سواء بدعمهم المادي أو المعنوي. وكانوا في الواجهة منذ إطلاق أول رصاصة في حرب ظفار، وكان لي شرف الالتقاء بهم على فترات مختلفة وفي ظروف متغيرة. والمعادن الأصيلة لا تصدأ ومواقف الرجال لا تتبدل سواءً في الحرب أو السلم .

يختم الشيخ مستهيل بقوله:” أسسنا فرقة صلاح الدين بقيادة سالم مبارك ونائبه محمد سعيد قطن، وأنا كنت المسؤول الثالث مهمتي هي الإسناد العسكري، بعد أن استشهد سالم مبارك في عام 1971م، انتقلت القيادة إلى محمد قطن ونائبه هلال فضل الله. كنت حينها في سدح على خط الاشتباك، مرّت تفاصيل سريعة حيث انتقل عدد من فرقة صلاح الدين إلى قيادة اللواء، وأصبح هلال فضل الله قائدًا لفرقة صلاح الدين، تقدمت الفرقة إلى “عارام” وانضممنا نحن من “طاقة ” في هذه المعركة، استشهد محمد علي عيسى العمري. بعد العملية استدعانا السلطان ومعي أحمد جيلال وقرطوب وسالم مسلم إكشاش المعشني، وكلفني حينها جلالته بقيادة فرقة خالد بن الوليد رفضت حينها؛ إيثارًا لأصدقاء النضال، لكن السلطان أصر بلغة حازمة وقبلت التكليف .

آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد
آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد آخر الأحياء منهم يروي التفاصيل: حكاية السفراء الستة إلى مسقط ولقائهم بالسلطان قابوس بن سعيد

في شهر رمضان عام ١٩٧١م كنت في مركز فرقة خالد بن الوليد في مدينة الحق، تلقيت خبر إعدام والدي من تنظيم الجبهة، تسللوا إليه قبل المغرب وأجهزوا عليه صائمًا، دفن في مكان مجهول ونهبوا الأبقار والماشية. والكثير من الشهداء عليهم رحمة الله جميعا.

الجدير بالذكر أن الشيخ مستهيل بن سعيد فكل الشحري تقاعد برتبة مقدم عام 1994م، وتقلد العديد من الأوسمة من جلالة السلطان قابوس خلال مسيرته العسكرية، منها وسام الخدمة الطويلة ووسام الطغرائية السلطانية، وتقلد العديد من المناصب والمهام المدنية.

صفحات في ذكرى يوليو مكتوبة بحروف من نور، وبلون الدم وخلود الشهداء، سطرها أعز الرجال وأنقاهم مع رجاله المخلصين؛ ليستعيد يوليو ألَقه، ويَسموا فوق الجارحات والألم إلى المجد وإلى الغد المشرق، ونحو صباحات مجيدة من أيام النهضة المتجددة، فلكل مرحلة أبطالها ولكل دولة زمن ورجال، رحم الله شهداء الوطن وأطال في عمر الأحياء.
وهنا تسطّر “أثير” شكرًا وتقديرًا للمدوّن أنور محمد عبدالله صواخرون على ما قدمه من جهد واتصالات ومتابعة خلال جمع هذه المادة.


Your Page Title