أثير- تاريخ عُمان
أثير- تاريخ عُمان
إعداد: د. محمد بن حمد العريمي
إعداد: د. محمد بن حمد العريمي
شهد التاريخ العماني على مدى العصور المتعاقبة العديد من الإنجازات السياسية والحضارية الكبيرة لعمان، والتي تكللت في كثير من الأحيان بالتوسع الجغرافي الكبير، وبتحول عمان إلى امبراطورية كبيرة تمتد أراضيها بين أكثر من قارة، وبسيطرتها وتأسيسها للعديد من المراكز الحضارية التي لعبت دورا مهما في حركة التجارة والملاحة والنشاط الاقتصادي في المنطقة، كزنجبار، وباتا، ولامو، وكلوة، والجزيرة الخضراء، وممباسا في شرق أفريقيا، ومكران، وبندر عباس، وجوادر، وشهبار في بحر العرب والخليج العربي.

وتعد جوادر التي تقع على الضفة المقابلة لساحل بحر العرب من المراكز والموانئ المهمة التي انضوت تحت العلم العماني، واحتمت تحت السيادة العمانية لأكثر من 165 عاما منذ أن حولها السيد سلطان بن أحمد إلى مركز تجاري مهم، وحتى خروجها من السيادة العمانية في 8 سبتمبر 1958 لأسباب مختلفة.
“أثير” تقترب في هذا التقرير من واقع السيادة العمانية على جوادر، والأسباب التي دعت إلى التخلي عنها، وذلك من خلال استعراض بعض المحطات المهمة في تاريخ السيادة العمانية على جوادر دون الدخول في التفاصيل التاريخية العميقة، وذلك اعتمادا على عدد من الدراسات أهمها دراسة الباحثة الدكتورة هدى بنت عبد الرحمن الزدجالية بعنوان “جوادر تحت السيادة العمانية. 1913-1958″، وعدد من المصادر المهمة الأخرى ككتاب عمان في الوثائق السرية المجلد الرابع، وتاريخ عمان في دليل لوريمر.

بداية النهاية
نظارة الشؤون الداخلية
مسقط
جناب المكرم المحترم مستر ون (M.r Wyne) دام بعافية
تحية،
أما بعد فتنفيذا لأمر جلالة السلطان أعزّه الله، الرجاء أن تسلم مدينة جواذر إلى جناب صديقنا قنصل جنرال مستر شونسي حتّى يسلّمها هو حيث تلقى الإرشادات من جلالته، والسلام.
حرر في 19 من شهر صفر سنة 1378
إمضاء أحمد بن إبراهيم
ناظر الشؤون الداخلية
جوادر. التسمية والموقع
نالت جوادر عددا من التسميات في المراجع المختلفة، فهي جوادر، وجواذر، وغوادر، وجوادور، والجوادر، وكوادر، وبندر جوادر، وغيرها من التسميات، وأصل التسمية يتكون من مقطعين أو كلمتين بلوشيتين هما جوات أو كوات بمعنى الهواء أو النسيم، ودره بمعنى الباب، أو باب الريح، وهناك أصل آخر للتسمية في الروايات المحلية يرجعها إلى كلمة شادر، حيث يقال ” جوادر شادر الفقراء”.

تقع جوادر في أقصى الجنوب الغربي لباكستان، وتحتل موقعا استراتيجيا متميزا على ساحل بحر العرب، فهي تمثل الجزء الساحلي لإقليم بلوشستان القريب من الحدود الإيرانية، وتبعد عن مدينة كراتشي حوالي 700 كيلو، وتعد الميناء الرئيسي بين بندر عباس وكراتشي، وتقدر المسافة بينها وبين مسقط بحوالي 270 كيلومترًا.
جوادر تحت العلم العماني
تعود بداية السيادة العمانية على جوادر إلى عهد السيد سلطان بن أحمد الذي اتخذ جوادر ملاذا حيث نزلها سنة 1884، ولقى ترحيبا من بعض زعماء البلوش، وفي مقدمتهم ناصر خان حاكم كلات، فمنحه قطعة أرض على الشاطئ كي تكون قاعدةً له، وبعد وصول السيد سلطان إلى قمة السلطة في عمان عام 1792 جعل جوادر قاعدة لحملاته على الساحل العربي المقابل، واتخذ عددا من التدابير لضمان بقائها تحت السيادة العمانية، فأرسل إليها قوة بقيادة القائد العماني يوسف بن علي وعينه واليا عليها ليعزز من سلطته في المنطقة، وأمده بالجند ليحكم المكان ويبني قلعة فيه، وتعزز ارتباط جوادر بعمان التي تسمت بعدها بسلطنة مسقط وعمان وجوادر.
وشهدت جوادر بعد السيطرة العمانية ازدهارا ملحوظا لم تعرفه من قبل، فصارت تفوق في ازدهارها ميناءي (باسني وجيونري) المجاورين، لكنها ظلت محط أطماع الكثير من القوى المحيطة، وتعرضت لغارات متكررة من قبل بعض الحكام المحليين والقبائل المجاورة، كما تعرضت لهجمات خارجية من قبل الفرس، والقواسم، كما امتدت إليها الصراعات الداخلية العمانية منذ 1866 بعد اغتيال السلطان ثويني.

وكان والي جوادر تابعا للسلطان مباشرة، ويمارس عمله في مقره الدائم في القلعة المسماة بقلعة الوالي، وقد تأسست على يد القائد والوالي يوسف بن علي زمن السيد سلطان بن أحمد.
وفي ظل السيادة العمانية انتعشت الأوضاع الاقتصادية للمنطقة، فقد ارتفعت قيمة صادراتها تدريجيا حتى بلغت في عام 1903م 550 ألف روبية، وقد قدرت إيرادات جوادر لخزينة السلطان تركي ما يتراوح بين 20-30 ألف ريال نمساوي.

محاولات نزع السيطرة العمانية
كانت فكرة نزع جوادر عن السيادة العمانية مطروحة منذ زمن سابق لفترة ما بعد استقلال باكستان، ففي سنة ١٨٦٣ حاول خان قلات إعادة ضم جوادر إلى خاناته، أيْ الأراضي الخاضعة لحكمه، وأن ينهي الوضع الشاذ لهذه المقاطعة العُمانية على ساحل بلوشستان، لكن البريطانيين رفضوا أن يدعموه في مطلبه، وقدم كل من الخان والحكومة في الهند مقترحات أخرى خلال الفترة بين ١٨٩٥ و١٩٠٤ بشراء جوادر من العُمانيين، لكن لم يتم التوصل إلى أي قرار في هذا الصدد ، وفي عام 1917 طرح الوكيل السياسي في مسقط فكرة بيع جوادر من قبل حكومة مسقط لحكومة كلات لمعالجة الوضع الاقتصادي المتدهور للسلطان تيمور، لكن المقترح رفض من قبل حكومة الهند التي طالبت سلطان مسقط بعدم البت بمثل هذا الأمر دون الرجوع إليها، ثم أعيد إحياء الاقتراح عام 1927 حين قدّم اقتراح مماثل من قبل الرائد ميرفي الوكيل السياسي في مسقط للسلطان لبيع جوادر أو تأجيرها لحكومة الهند بمبلغ 135 ألف جنيه، نظرا لأهمية جوادر في إقامة الخط الجوي حينئذ لكن المقترح رُفض، وفي عام 1939 دفعت حاجة السلطان المتزايدة لمال لمواجهة مشكلاته الداخلية إلى مبادرته بعرض بيع جوادر أو تأجيرها لحكومة الهند البريطانية، لكن قيام الحرب العالمية الثانية أنقذت السلطان من وضع تهديده بالتخلي عن الحكم إن لم تساعده حكومة الهند اقتصاديًا موضع التطبيق، حيث كتبت وزارة الهند بلندن في سبتمبر 1939 مفيدةً بأن الحكومة البريطانية ستعمل على حماية السلطان من أي عدوان خارجي بما في ذلك حماية ممتلكاته في جوادر مقابل استعداد السلطان لتقديم التسهيلات الضرورية في بلاده ومياهه الإقليمية وقت الحرب.

ظروف أدت إلى إنهاء السيادة العمانية
كانت هناك العديد من الظروف السياسية والاقتصادية الداخلية والإقليمية والدولية التي أدت إلى انتهاء السيادة العمانية على جوادر كما توردها الباحثة الدكتورة هدى بنت عبد الرحمن الزدجالية في دراستها المهمة ومن بينها: أن مدة حكم السيد سعيد بن تيمور كانت من الفترات الحرجة في تاريخ عمان حيث عانت عمان عددا من المشاكل الداخلية وشهدت تطورات إقليمية أثرت على الوجود العماني الخارجي، كما أن حرص البريطانيين على استمرار الحكم العماني في جوادر لتأمين المصالح البريطانية هناك، انتهى باستقلال شبه القارة الهندية عام 1947، كما أن تطور الأحداث في عمان وظهور قضية الإمامة كمشكلة داخلية ذات أبعاد خارجية قد أدى إلى ازدواج السلطة في عمان وإلى إحداث تفكك داخل صفوف العمانيين بين الداخل والساحل، بالإضافة إلى المشاكل الاقتصادية التي عاناها العالم في فترة ما بين الحربين العالميتين، واستمرار انخفاض دخل جوادر الناجم عن حصار كلات، ومشكلة السلطان مع بعض الدول العربية التي كانت تدعم نظام الإمامة مما جعله يتفهم قضية جوادر ويسعى إلى حلها بالطرق المناسبة كي لا يفتح جبهة جديدة من الصراعات والمشاكل الإقليمية والدولية، ولا ننسى الإشارة إلى قضية واحة البريمي التي تفاقمت في الخمسينات، وكذلك عدم رغبة السيد سعيد في الصدام مع باكستان التي كانت تريد ضم المنطقة لها، وآثر حل المشكلة سلميا للحفاظ على العلاقات الحضارية بين الطرفين.
رغبة باكستان في شراء الميناء
لم تظهر قضية جوادر كمشكلة سياسية إلا بعد استقلال باكستان عن شبه القارة الهندية عام 1947، وكانت حقيقة ملكية عمان لجوادر سواء أكانت مستندة إلى الوثائق الرسمية أو على مبدأ التقادم لا اختلاف عليها، ولكن تجمع عدد من الأسباب والعوامل المحلية والإقليمية والدولية لتكون سببا في نهاية السيادة العمانية على جوادر، وعلى الرغم من أن بريطانيا قد لعبت دور الوسيط بين الطرفين إلا أن وساطتها اتسمت – من وجهة نظر الدكتورة الزدجالية- بعطف واضح على وجهة النظر الباكستانية وضغط على السلطان سعيد الذي أبدى رغم الضغط قدرة كبيرة على المناورة والبراعة في التفاوض.
وكانت حكومة باكستان قد قدمت بعد استقلالها طلبا بتنازل مسقط عن جوادر، وعرضت أن تدفع للسلطان مبلغا يساوي ريع عشر سنين لجوادر وخصوصًا السنين العشر قبل الحرب، إلا أن المعتمد السياسي في الخليج الفارسي اعتبر العرض غير كافٍ، وعلى الرغم من أن المعتمد السياسي اقترح أن يخبر السلطان سعيد بوجهة نظر الحكومة الباكستانية والاستفسار منه إن كان يرغب في بيع أو تأجير جوادر لحكومة صاحبة الجلالة بغية تحويلها لباكستان، فإن وجهة النظر البريطانية كانت تميل إلى نصح السلطان ببيع جوادر وأنه سيكون حكيما لو فعل ذلك لأن جوادر جزءٌ من مكران التي آلت لباكستان، وأنه سوف يجد نفسه في حرج إذا تم إثارة القلاقل ضد حكم العرب هناك.
كما اقترح المعتمد السياسي أنه إذا وافق السلطان على بيع جوادر فإن حكومة صاحبة الجلالة ربما تعيد له جزر كوريا موريا إما كجزء من التقدير أو كعلامة على عمق الصداقة في نهاية الاتفاق.
ومن بين الأسباب التي دعت الحكومة الباكستانية إلى طرح رغبتها لشراء جوادر: عدم رغبتها في إحاطة مقاطعة أجنبية بأرضها، ووجود حاجة ملحّة لبناء ميناء آخر في مكران استجابة لزيادة الحركة التجارية هناك، ولمنع الخلاف الذي أثير سابقا في النزاعات الحدودية مع المناطق المجاورة التابعة لمكران.

انتهاء السيادة العمانية على جوادر
بعد أكثر من 10 سنوات من المفاوضات والشد والجذب بين الطرفين، وخلال زيارته لندن في يوليو 1958، حيث جرت المفاوضات النهائية لتقرير مستقبل جوادر، وافق السلطان سعيد بن تيمور على مناقشة المسألة مع الطرف الباكستاني بما يؤدي إلى حل المسألة نهائيًا بين الطرفين مع الحفاظ على خصوصية العلاقة التي تربط بين البلدين، ووافق السلطان على مقترح البيع، وتم الاتفاق على مجموعة من البنود ضمن اتفاق البيع النهائي ومن أهمها: دفع مبلغ ثلاثة ملايين جنيه إسترليني، على أن يتم دفع مبلغ 300 ألف بالدولار والباقي بالجنيه الإسترليني، وأنه في حال اكتشاف النفط في جوادر تحصل السلطنة على نسبة 10% من أرباح البترول لمدة 25 عاما، وعلى باكستان أن تزيل أية عوائق أمام توظيف المواطنين الباكستانيين الذين يخدمون في مسقط، وتستمر في مد مسقط بما تحتاجه من الأرز والمساعدات الفنية، وعلى من أراد من المواطنين المقيمين في جوادر أن يبقى تحت سيادة السلطان يسمح له بذلك.

وقد انتهت السيادة العمانية على جوادر في 8 سبتمبر 1958 بدون مراسيم احتفالية حين سلّم والي جوادر المدينة إلى القنصل البريطاني الذي بدوره سلّمها إلى آغا عبد الحميد ممثل رئيس جمهورية باكستان، وترتبت على انتهاء السيادة العمانية على جوادر آثار اجتماعية وسياسية وعسكرية واقتصادية، فظل تدفق أهل جوادر على عمان مستمرًا بالرغم من انقطاع التواصل التجاري، وما يزال الجوادريون في مسقط ومطرح لهم وجود ملموس في الوسط التجاري، كما لا يزال بعض سكان جوادر يحرصون على حمل الجوازات العمانية وتعليق صور سلاطينها في منازلهم ومحلاتهم التجارية كتعبير منهم عن استمرار ولائهم الوطني لعمان.
المراجع
1- الحارثي، محمد بن عبد الله. موسوعة عمان الوثائق السرية، المجلد الرابع، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007.
2- الزدجالية، هدى بنت عبد الرحمن. جوادر تحت السيادة العمانية، جامعة نزوى، مركز الخليل بن أحمد، ط1، 2015.
3- لوريمر، تاريخ عمان في دليل الخليج العربي، الطبعة الأولى، الدار العربية للموسوعات، 2015.
4- وودوارد، مارتين. تقرير بعنوان “جوادر: مُلك السلطان”، موقع مكتبة قطر الوطنية الرقمي.
· الصور والوثائق من كتاب الدكتورة هدى الزدجالية، ومن شبكة المعلومات العالمية.